الصفحة 71 من 133

يُعاني كثيرًا من المشاكلِ بسببِ تمسُّكِه بهذه الضادِ الظائيَّةِ وعدمِ قَبولِ الناسِ لها، ففي يومٍ من الأيامِ حَكى لنا أنه ذهبَ إلى المحلَّةِ الكُبرى التابعةِ لمحافظةِ الغربيَّةِ فخَطَبَ الجمعةَ هناك وأُعجِبَ الناسُ به وصلَّى بهم إمامًا وقرأَ بهذه الضادِ الظائيَّةِ، فقالَ رحِمَه اللهُ تعالى: إن الناسَ أتَوْا إليه في المحرابِ وأَهانُوه وضربوه قائلين له، أفْسَدْتَ علينا صلاتَنا يا شيخُ وانقلَبَ حُبُّهم له كُرْهًا وعداوةً وضربًا ودعاءً عليه، انتهى كلامُه يرحمُه اللهُ.

وهذه حادثةٌ يُستفادُ منها أن النُّطقَ بالضادِ مشوبةً بالظاءِ غيرُ مُجْمَعٍ عليه ولم يَتلقَّاه الناسُ بالقَبولِ ولا يَرضى أحدٌ من المسلمين أن يُقرأَ بها القرآنُ حتى لا يَتغيَّرَ المعنى أو على الأقلِّ يُوهمُ تغييرَ المعنى على العوامِّ.

فإلى الذين حرَّفوا الضادَ واغترُّوا بها بنُطقِ بعضِ العوامِّ من العربِ ممن ضعُفَ لسانُهم عن الإتيانِ بالضادِ الصحيحةِ أدعوهم أن يُراجعوا أنفسَهم وأن يَثوبوا إلى رُشدِهم ويتوبوا إلى ربِّهم ويَرجعوا عما وَقعوا وأوقعوا الناسَ فيه من بدعةٍ, والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ كما رجَعَ قُدوتُهم والمنتسِبين إليهم كابنِ غانمٍ المقدسيِّ وساجقلي زادهْ ومن قَلَّدَهم في هذا لأنها بدعةٌ أَوقعوا الناسَ فيها، وأحدثوا فتنةً بينَ القرَّاءِ، والخيرُ كلُّ الخيرِ في اتِّباعِ ما نقَلَه إلينا القرَّاءُ العشرةُ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ وعاصمٌ، وحمزةُ والكِسائيُّ وأبو جعفرٍ ويعقوبُ وخلفٌ البزارُ، فقد تَواترتْ قراءاتُهم عن المصطفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولم يَردْ عنهم أنهم جَعلوا الضادَ كالظاءِ.

وقد رَوى عن هؤلاءِ الأئمَّةِ أئمَّةُ القراءاتِ جيلًا بعد جيلٍ حتى وَصلَ إلينا القرآنُ وقراءاتُه بالأسانيدِ الصحيحةِ إلى عصرِنا هذا ولم يَقرأْ أحدٌ الضادَ شبيهةً بالظاءِ، هذا هو الصحيحُ في القراءةِ، ولْيُعْلَمْ أن جعْلَ الضادِ كالظاءِ خطأٌ، لا يَجوزُ لأنه مخالِفٌ لأئمَّةِ القراءةِ الذين تَواترتْ قراءاتُهم إلى الحبيبِ المصطفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد تلقَّيْنا عنهم الضادَ كما نَطقَ بها ضادًا خالصةً لا شبيهةً ولا مشبهةً فيما تلقَّيْنا من القرآنِ عن المشايخِ الأثباتِ الذين تلقَّوْها هكذا خالصةً عن العلَّامةِ المتولى رحِمَه اللهُ وابنِ الجَزْرِيِّ يرحَمُه اللهُ وهكذا وجدْنا الإجماعَ على هذا النُّطقِ فيمَن عاصرْنا من المشايخِ الكبارِ من القرَّاءِ كالشيخِ الفاضلِ أحمد عبد العزيز الزياتِ أطالَ اللهُ في عُمرِه، ومشايخِ مصرَ والشامِ والمغربِ ومن يُعتدُّ بقراءتِهم، والله الموفِّقُ والهادي إلى سواءِ السبيلِ.

وهذا آخِرُ ما يسَّرَ اللهُ جمْعَه في هذا الموضوعِ وأرجو اللهَ أن يَنفعَ به وأن يَجعلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ.

ولا يَردُّ على عرْضِنا التاريخيِّ في شأنِ القائلِين بالرأيِ المخالِف، وأن ابنَ غانمٍ المقدسيَّ هو أوَّلُ من قالَ به، ما كَتبَه المدعوُّ"محمَّد مهدي النقشبنديُّ"وأمثالُه فيما أسماه"رسالةُ النُّطقِ الفصيحِ في مَخرجِ الضادِ الصحيحِ"وذكْرُه عددًا من النقولِ عن بعضِ كتبِ التجويدِ.

وذلك أن من ذَكرَهم متأخِّرِين عن ابنِ غانمٍ - رحِمَه اللهُ - وقد وَقعَ مُسطِّرُ تلك الرسالةِ بجملةِ أخطاءٍ منها:

1.ادِّعاؤه أنَّ مَكِّيَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ بهذا الرأيِ، وقد نَقلَ من كتابِ"الرعايةِ"وزادَ عبارةَ"في السمْعِ ليؤيِّدَ مذهبَه"وهي لا تُوجدُ في نُسَخِ"الرعايةِ"بهذا المعنى الذي أرادَ صاحبُ الرسالةِ، وإنما المرادُ به في الرعايةِ، أنه معطوفٌ على خبرِ لولا: حيثُ قالَ: ما نصُّه: ولولا اختلافُ المَخْرَجَين وما في الضادِ من الاستطالةِ، لكان لفظُهما واحدًا، ثم عطَفَ قائلًا ولم يَختلفا في السمْعِ أي هما مختلِفان في السمْعِ لاختلافِهما في المَخرجِ وصفةُ الاستطالةِ، لأن لولا حرْفُ امتناعٍ لوجودٍ، فدَلَّ على عدمِ الاشتباهِ في السمْعِ لاختلافِهما في المَخرجِ والاستطالةِ واللهُ أعلمُ.

ومقصودُ مَكِّيٍّ أن الضادَ تُشبهُ الظاءَ من حيثُ اتِّفاقِهما في الصفاتِ المشترَكةِ، كما صرَّحَ بذلك، وهما مختلِفان في السمْعِ.

2.ادِّعاؤه أن ابنَ الأنباريِّ كمالَ الدينِ أبا البركاتِ ت (577 هـ) يقولُ بهذا الرأيِ في كتابهِ"زِينةُ الفضلاءِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت