فهرس الكتاب
مِن فصيحِ الكَلَامِ خطأٌ ظاهرٌ في مقامِ المرامِ، وأمَّا الكافُ العجميَّةُ، وكذا الزايُ والباءُ الفارسيَّةُ، فليستْ من اللغاتِ القرآنيَّةِ، وإنْ كانت لغةً لبعضِ العربِ المصريَّةِ أو اليمانيَّةِ.
ثمَّ اعْلَمْ أنَّ الشارحَ ذكَرَ هنا حديثًا عن مشايخِه في حاشيتِه على الأزهريَّةِ ممَّا تلوحُ لوائحُ الوضعِ عليه في المرتبةِ الأظهريَّةِ ثُمَّ
قالَ: التحقيقُ أنَّ لكُلِّ حرفٍ مَخْرَجًا مُخَالِفًا لمَخْرَجِ الآخرِ وإلا لكانَ إياهُ فيكونُ الحكمُ تقريبًا. قلتُ: هذا التعليلُ بعيدٌ مِن التحقيقِ فإنَّ الجمهورَ مِن أربابِ التدقيقِ جعلُوا الحروفَ متعدِّدَةً مَخْرَجًا واحدًا بِناءً على أنَّ التمييزَ حاصلٌ باعتبارِ اختلافِ الصفاتِ وإنْ كانَ الاتحادُ باعتبارِ الذواتِ؛ ولذا قيلَ إنَّ مَعْرِفَةَ المَخْرَجِ بمنزلةِ الوزنِ والمِقْدَارِ، ومَعْرفةَ الصفةِ بمنزلةِ المَحَكِّ والمِعْيَارِ.
(فَأَلِفٌ الجَوْفُ وَأُخْتَاهَا وَهِي حروفُ مدٍّ للهواءِ تَنْتَهِي)
ضبطُ الجوفِ بالرفعِ على تقديرِ: مَخْرَجُها قبلَ الجوفِ أو بعدَهُ، أو فمَخْرَجُ ألفٍ الجوفُ، وبالجرِّ على أنَّهُ من بابِ الإضافةِ إلى الظرفِ، نحوُ صائمُ النهارِ وقائمُ الليل ِ، أو الإضافةُ لاميَّةٌ أو لأدنى مُلابَسَةٍ، وفي نسخةٍ (للجوفِ ألفٌ) ، وهو غيرُ مُتَّزِنٍ، ثمَّ قولُه: (وَأُخْتَاهَا) أي: كذلكَ، والمرادُ شَبِيهَتَاهَا، بأنْ تكونا ساكنتينِ وحركةَ ما قبلَهُمَا مِن جنسِهما، بأنْ تكونَ قبلَ الواوِ ضمةٌ وقبلَ الياءِ كسرةٌ، وجُعِلَت الألفُ أصلًا لأنَّها لا تختلفُ عن حالِها أصلًا لا وقفًا ولا وصلًا، بخلافِ غيرِها، فَصَحَّ قولُه: (وَهِيَ حروفُ مدٍّ) أي: حروفٌ مديَّةٌ لا يتحقَّقُ وجودُها إلا بمدِّهَا قدرَ ألفٍ ويُسَمَّى المدَّ الأصليَّ والذاتيَّ والطبيعيَّ، وقد يُزَادُ بسببٍ مِن أسبابِ المدِّ الفرعيِّ كما سيأتي بيانُه في مقامِه الوضعيِّ، وتُسَمَّى هذه الحروفُ أيضًا لينيةً, وإن كانتْ اللينيَّةُ مُخْتَصَّةً بكونِها ساكنةً ولا تكونُ حركةُ ما قَبْلَها من جنسِها، كخَوْفٍ وغَيْرٍ، والتحقيقُ أنَّ هذه الحروفَ تُسَّمى حروفَ العلَّةِ بالمعنى الأعمِّ، سواءٌ تكونُ متحرِّكَةً أو ساكنةً حركةُ ما قبلَها مِن جنسِها أَو لا، ثُمَّ حروفُ المدِّ واللينِ ثُمَّ اللينِ بالوجهِ الأخصِّ، وهو مختصٌّ بالواوِ والياءِ دونَ الألفِ كما سيأتيَ، وهذه الحروفُ تنتهي إلى هواءِ الفمِ مِن غيرِ اعتمادٍ على جزءٍ من أجزائِه؛ ولذا يقالُ لهذِه الحروفِ: جوفيَّةٌ وهوائيَّةٌ، وقولُ ابنِ المصنِّفِ: مَخْرَجُهنَّ من جوفِ الفمِ والحلقِ، يريدُ أنَّ مبدأَها مبدأُ الحلقِ ويَمْتَدُّ ويَمُرُّ على كُلِّ جوفِ الفمِ، وهو الخلاءُ الداخلُ فيه، فإنَّهُنَّ لا حيِّزَ لَهُنَّ مُحَقَّقٌ ينتهي إليه، بل تنتهي بانتهاءِ الهواءِ، أعني هواءَ الفمِ، وهو الصوتُ، ولهذا يَقْبَلُ الزيادةَ والنُّقْصَانَ في مراتبِها.
وقولُ الشارحِ الروميِّ: كُلُّ خالِ هواءٍ ليسَ بخالٍ عن قصورٍ بل كُلُّ خالٍ مَحلُّ هواءٍ، ثمَّ إنهنَّ بالصوتِ المجرَّدِ أشبَهُ منهنَّ بالحروفِ، ويتميَّزْنَ عن الصوتِ المجرَّدِ بتصعُّدِ الألفِ، وتسفُّلِ الياءِ، واعْتِرَاضِ الواوِ، فنُسِبَتْ إلى الجوفِ؛ لأنَّه آخِرُ انقطاعِ مَخْرَجها، وحيثُ لَزِمَت الألفُ هذه الطريقةَ المُعْتَادةَ مِن كونِها ساكنةً وحركةُ ما قبلَها من جنسِها وهي الفتحةُ لم يَخْتَلِفْ حالُها مِن أنَّهَا دائمًا تكونُ هوائيَّةً، بخلافِ أُخْتَيْهَا، فإنهما إذا فارقتاها في صفةِ المشابهةِ صارَ لهما حيِّزٌ مُحَقَّقٌ، ومِن ثمَّةَ كانَ لهما مَخْرَجانِ: مَخْرَجٌ حالَ كونِهما مَدَّيَّتَيْنِ،