الصفحة 14 من 105

ومَخْرَجٌ حالَ كونِهما مُتَحَرِّكَتَينِ، ثمَّ كُلُّ حرفٍ مساوٍ لمَخْرَجِه، أي لِمِقْدَارِه لا يتجاوزُ ولا يَتَقَاصَرُ عنه، إلا حروفَ المدِّ؛ فإنَّها دونَ مَخْرَجِها، ومن ثمَّةَ قَبِلَت الزيادةَ في المدِّ إلى انقطاعِ الصوتِ، وسُمِّيَت حروفَ المدِّ واللينِ؛ لأنَّها تَخْرُجُ بامتدادٍ ولينٍ من غيرِ كُلْفَةٍ على اللسانِ، لاتساعِ مَخْرَجِها، فإنَّ المَخْرَجَ إذا اتَّسَعَ انتشرَ الصوتُ وامتدَّ ولانَ، وإذا ضاقَ انضغطَ فيه الصوتُ وصَلُبَ، ثمَّ التحقيقُ: أنَّ معنى جعلِ سيبويهِ الألفَ من مَخْرَجِ الهمزةِ أنَّ مبدأَه مبدأُ الحلقِ، ويمتدُّ ويَمُرُّ على جميعِ هواءِ الفمِ، فيرتفعُ النزاعُ، وهذا أيضًا معنى قولِ مكيٍّ في (الرعايةِ) : لكنَّ الألفَ حرفٌ يَهْوِي في الفمِ حتَّى يَنْقَطِعَ مَخْرَجُه في الحلقِ، فنُسِبَ في الخروجِ إلى الحلقِ لا أنَّهُ آخِرُ خروجِه، إذ لا منافاةَ بينَ أنْ يكونَ مبدؤُه مبدأَ الحلقِ وانقطاعُ مَخْرَجِه في الحلقِ؛ لأنَّ المرادَ أنَّهُ ليسَ له اعتمادٌ على شيءٍ مِن أجزاءِ الفمِ، بل يَبْتَدِئُ مِن الحلقِ وينتهي إلى الصوتِ الناشئِ من الحلقِ، وهذا معنى قولِ الدانيِّ: لا مُعْتَمَدَ للألفِ في شيءٍ مِن أجزاءِ الفمِ. وعلى هذا - وهو أنْ يكونَ مبدؤُه الحلقَ ومنقطعُ مَخْرَجِه في الحلقِ - يُحْمَلُ جَعْلُ الشاطبيِّ وغيرِه الألفَ حَلْقِيًّا ويُنَزَّلُ قولُه معَ غيرِهم في هذهِ الحروفِ أعني: الواوَ والياءَ على غيرِ المديَّةِ هذا.

وقالَ الناظمُ في (النشرِ) : والصوابُ اختصاصُ هذه الثلاثةِ بالجوفِ دونَ الهمزةِ؛ لأنَّهنَّ أصواتٌ لا يَعْتَمِدْنَ على مكانٍ حتى يتَّصِلْنَ بخلافِ الهمزةِ. ثمَّ اعلمْ أنَّهُ قَدَّمَ حروفَ المدِّ على سائرِ الحروفِ لعمومِ مَخْرَجِ المديَّةِ، وكونِها بالنسبةِ إلى مَخَارِجِ البقيَّةِ بمنزلةِ الكُلِّ في جنبِ الجزءِ، فَيَسْتَدْعِي التقدَّيمَ مِن هذهِ الحيثيَّةِ، وإنْ كانَ المناسبُ تأخيرَها عنها باعتبارِ أنَّ حيِّزَها مُقَدَّرٌ وما حيِّزُه مُقَدَّرٌ فهو حَقِيقٌ بأنْ يُؤَخَّرَ عمَّا حيِّزُه محقَّقٌ.

ثُمَّ اعلمْ أنَّ كُلَّ مِقْدَارٍ لم يكنْ مُنْتَصِبًا وله نهايتانِ أي: طرفانِ، وغايتانِ، أيَّتُهما فَرَضَتْ أَوَّلَه كانَ مُقَابِلُه آخِرَه، ولما كانَ وضعُ الإنسانِ على الانتصابِ مُخَالِفًا لباقي الحيوانِ لَزِمَ منه أنْ يكونَ رأسُه أَوَّلَه ورجلاه آخرَه، فإذا كانَ كذلك كانَ أَوَّلُ المَخَارِجِ الشَّفَتَيْنِ، وَأَوَّلُهما ممَّا يلي البَشَرَةِ، وثانيها: اللسانُ وَأَوَّلُه ممَّا يلي الأسنانَ، وأخرُه ممَّا يلي الحلقَ، وثالثُها: الحلقُ وأَوَّلُه ممَّا يلي اللسانَ، وآخرُه ممَّا يلي الصدرَ، ولو كانَ وضعُ الإنسانِ على التنكيسِ لانْعَكَسَ. ولمَّا كانَ مُدَّةُ الصوتِ الهواءَ الخارجَ مِن داخلٍ كانَ أَوَّلُه آخرَ الحلقِ، وآخرُه أَوَّلَ الشفتينِ، فرتَّبَ الناظمُ رحمَهُ اللهُ الحروفَ باعتبارِ الصوتِ وِفَاقًا للجمهورِ، حيثُ قالَ (فَأَلِفٌ الجوفُ) ورتَّبَ تسميَّةَ المَخَارِجِ باعتبارِ وضعِها الأصليِّ حيثُ جعلَ الأقصى وهو الأبعدُ ممَّا يلي الصدرَ، والأَدْنَى وهو الأقربُ لِمُقَابِلِه فقالَ:

(ثمَّ لأقصى الحلقِ همزٌ هاءٌ) أي: لأبعدِهِ مِن الفمِ حرفانِ وهما همزٌ وهاءٌ، وحذَفَ العاطفَ رعايةً للوزنِ، ومنهم مَن ضمَّ الألفَ إليهما وجعلَها بعدَهما كالشاطبيِّ، ونسبَ هذا القولَ إلى سيبويهِ، ونُقِلَ عنه أيضًا تقديمُ الألفِ على الهاءِ، كما يُفْهَمُ مِن كَلَامِ الجَارَبَرْدِيِّ، وقيلَ: الهمزةُ والهاءُ في مرتبةٍ واحدةٍ، وقيلَ الهمزةُ أَوْلَى.

(ثمَّ لِوَسَطِهِ فعينٌ حاءٌ) وحقُّه أنْ يقالَ: عينٌ فحاءٌ وغُيِّرَ للضرورةِ ووسَطُ الشيءِ مُحَرَّكَةٌ: ما بينَ طرفيه، كأوسطِه، فإذا سُكِّنَت كانَ ظرْفًا أو هما فيما هو مُصْمَتٌ كالحَلْقةِ فإذا كانتْ أجزاؤُه مُتبايِنةً فبالإسكانِ فقطْ أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت