الصفحة 32 من 105

الذي قبلَها، بدليلِ وجودِها بوجودِه وعدمِها بعدمِه، ولذلكَ لا يكونُ قبلَ الألفِ إلا مفتوحٌ فحيثُ كانت الألفُ معَ حرفٍ مُسْتَعْلٍ أو شِبْهِهِ ممَّا يَسْتَحِقُّ التفخيمَ اسْتَعْلَت الألفُ للزومِها له. فَفُخِّمَتْ، وحيثُ كانتْ معَ حرفٍ مُسْتَفِلٍ اسْتَفْلَتْ الألفُ للزومِها له فَرُقِّقَتْ، والمرادُ بشبهِ الحرفِ المُسْتَعْلِي الراءُ المفتوحةُ؛ لأنَّها تخرجُ مِن طَرَفِ اللسانِ وما يليه مِن الحنكِ الأعلى، والحنكُ الأعلى مَحَلُّ حروفِ الاستعلاءِ، وبهذا المبنى تحقَّقَ الشبهُ بينَ الراءِ وحروفِ الاستعلاءِ في المعنى، كذا قرَّرَه ابنُ المصنِّفِ وغيرُه، ثمَّ قالَ: ولا اعتبارَ بقولِ مَن قالَ: ينبغي المحافظةُ على ترقيقِ الألفِ، خصوصًا إذا جاءتْ بعدَ حروفِ الاستعلاءِ؛ فإنَّ الذي ذَكَرْنَاهُ هو الحقُّ وقولُ الناظمِ رحمَهُ اللهُ محمولٌ على ما ذكَرْنَاه، وبه نأخذُ، يعني: ولو كانَ لفظُه مطلقًا لكنَّهُ ينبغي أنْ يُعْتَبَرَ مُقَيَّدًا جمعًا بينَ قولِه وقولِ غيرِه مِن المحقِّقِين، وقد قالَ المصنِّفُ في (نشرِه) : إنَّ الألفَ إذا وقعتْ بعدَ حرفِ التفخيمِ تُفَخَّمُ إتْبَاعًا لما قبلَها، نحوَ (طالَ، وقالَ، والعصا،) لأنَّ الألفَ لا حيِّزَ لها حتى تُوصَفَ بالترقيقِ والتفخيمِ فتكونَ تابعةً لما اتَّصَلَتْ به. ا هـ. وبه يُعْلَمُ ضعفُ ما مشَى عليه المصنِّفُ في (التمهيدِ) , وجَزَمَ به شيخُه ابنُ الجنديِّ حيثُ قالَ: إنَّ تفخيمَها بعدَ حروفِ الاستعلاءِ خطأٌ. ا هـ.

فلا ينبغي حملُ كَلَامِه هذا على إطلاقِه كما جوَّزَه بعضُ الشرَّاحِ؛ فإنَّ المصنِّفَ صنَّفَ (التمهيدَ) أولًا في سنِّ البلوغِ، والعُمْدَةُ على تصنيفِه (النشرَ) فإنَّه وقعَ آخِرًا، وهو الحقُّ كما جَزَمَ به القَسْطَلَانِيُّ، وقالَ الشارحُ الروميُّ: لمَّا اشْتُهِرَ عندَ بعضِ الأعجامِ لاسيَّما الأروامُ تفخيمُ الألفِ حيثُ يُصيِّرُونَها كالواوِ أُمِرَ بالتَّحَرُّزِ عن مثلِ هذا التفخيمِ لا عن تفخيمِه مُطْلَقًا؛ لما سبقَ مِن أنَّ الألفَ بعدَ الحرفِ المُسْتَعْلِي تُفَخَّمُ اتفاقًا، ثمَّ قالَ: وإنَّما حَمَلْنَا كَلَامَه على ذلكَ بِناءً على أنَّ تقديرَ كَلَامِه أنْ يقالَ: يجبُ ترقيقُ الألفِ إذا كانَ بعدَ حرفٍ مُسْتَفلٍ، كما فعلَه ولدُ المصنِّفِ في شرحِه، ممَّا لاتُساعِدُه العبارةُ، فَحَمْلُ كَلَامِه على هذا التقييدِ لا يخلُو عن التعقيدِ، قلتُ: وكذا حَمْلُ التفخيمِ الذي ضدُّه الترقيقُ المَعْروفَيْنِ عندَ أهلِ التحقيقِ على التفخيمِ العرفيِّ اللُّغويِّ عندَ العامَّةِ بعيدٌ عنِ اصطلاحِ الخاصَّةِ، وأَمَّا الإطلاقُ والتقييدُ فقدْ وقعَ في كَلَامِ الفُصحاءِ والبُلغاءِ ممَّا لا يُنْكِرُه أحدٌ مِن العقلاءِ. ثمَّ قالَ: وأمَّا السكوتُ عن التحرُّزِ عن تفخيمِه إذا كانَ بعدَ حرفٍ مستعلٍ فذلكَ أمرٌ ظاهرٌ لا يحتاجُ إلى التصريحِ بذكرِه، إذ يَعْرِفُ كُلُّ مَن له أدنى درايةٍ أنَّ الحرفَ إذا فُخِّمَ تُفَخَّمُ حركتُه وإذا رُقِّقَتْ رُقِّقَتْ، فكذا ما يكونُ تابعًا لحركتِها، أعنى الألفَ، وهذا مِن الظهورِ بحيثُ لا يساعدُ اللسانَ خلافُه، فلا حاجةَ إلى التعرُّضِ لأمثالِه. قلتُ: أمَّا قولُه إنَّهُ أمرٌ ظاهرٌ. فليسَ يقولُ به إلا مُكَابِرٌ، وعلى تقديرِ ظهورِه عندَ الخاصَّةِ لابدَّ مِن تقريرِه وتحريرِه في مقامِ تعليمِ العامَّةِ، فالقولُ قولُ ابنِ المصنِّفِ عندَ المُنْصِفِ، دونَ المُتَعَسِّفِ، وقد أبعدَ الشارحُ حيثُ قالَ: الظاهرُ أنَّ مرادَه بالألفِ الهمزةُ مطلقًا مُصَدَّرَةً كانتْ أو مُتَوَسِّطَةً أو متأخِّرةً؛ إذ الألفُ القائمةُ لازمةٌ لفتحةِ ما قبلَها فَتَلْزَمُ صِفَتَه أيضًا مِن ترقيقٍ وتفخيمٍ لها ا. هـ.

ووجهُ البعدُ لا يَخْفَى إذ الهمزةُ حيِّزُها مُحَقَّقٌ، وهي حَلْقيَّةٌ والألفُ جوفيَّةٌ هوائيَّةٌ، فلا يصحُّ إطلاقُ أحدِهما على الآخرِ، إلا على طريقةٍ مجازيَّةٍ دونَ إرادةٍ حقيقيَّةٍ، معَ أنَّهُ لا فائدةَ حينئذٍٍ لذكرِها معَ دخولِها في عمومِ ما قبلَها، وإنَّما حَذَّرَ من تفخيمِ الألفِ لانفتاحِ الفمِ عندَ التلفُّظِ بها، وذلكَ يؤدِّي إلى تَسْمِينِ الحرفِ وتفخيمِه وقالَ الشارحُ المصريُّ: وما عَلَّلَ به شيخُ الإسلامِ يعني زكريَّا تبعًا لابنِ المصنِّفِ بقولِه: وذلكَ لأنَّها لازمةٌ إلخ فيه بحثٌ، فإنَّنا لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت