فهرس الكتاب
(وأظهر الغُنَّةَ مِن نونٍ ومِن ... ميمٍ إذا ما شُدِّدَا وأَخْفِينَ)
بالنونِ المُخَفَّفَةِ، لتأكيدِ الأمرِ بالإخفاءِ، وما بعدَ إذا زائدةٌ، والمعنى بَالِغْ في إظهارِ الغُنَّةِ الصادرةِ من نونٍ وميمٍ مشدَّدَتَيْنِ، نحوَ إنْ، وثمَّ، وإنَّما قَدَّرْنَا المبالغةَ؛ لأنَّ الغُنَّةَ صفةٌ لازمةٌ للنونِ والميمِ، تَحَرَّكَتَا أو سَكَنَتَا، ظاهرتينِ أو مُخْفَائَيْنِ أو مُدْغَمَتَيْنِ، إلا أنَّهَا في الساكنِ أكملُ مِن المُتَحَرِّكِ، وفي المَخْفِيِّ أزيدُ من المظهرِ، وفي المُدْغَمِِ أَوْفَي مِن المَخْفِيِّ، وقد عَرَفْتَ أنَّ الغُنَّةَ مَخْرَجُها الخيشومُ، ثمَّ كُلٌّ مِن النونِ والميمِ المُشَدَّدَتَيْنِ يَشْمَلُ المُدْغَمَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في كلمةٍ أو كلمتينِ، وغيرَ المُدْغَمَتَيْنِ الحاصلتينِ في كلمةٍ، والنونُ المدغمةُ في كلمةٍ كالجِنَّةِ والناسِ، وإنا والمُدْغَمَةُ في كلمتينِ نحوَ {مِن نَاصِرِينَ} {إنْ نقولَ} وإنَّما جعلَ (إنا) كلمةً وإن كانتْ في الأصلِ: إن نا، فإنَّهُمَا لكمالِ امتزاجِهما وعدمِ قابليَّةِ انفصالِهما لا وصلًا ولا وقفًا عُدَّتَا كلمةً واحدةً , وكذا الكَلَامُ في (الناسِ) و (النارِ) وأمثالِهما.
وأمَّا النونُ المُشَدَّدَةُ بغيرِ المُدْغَمِ نحوَ (إنَّ اللهَ) , ثمَّ الميمُ المدغمةُ في كلمةٍ , نحوَ {تَمَّ مِيقَاتُ} و {همْ قَوْمٌ} والمُدْغَمَةُ في كلمتينِ نحوَ {كمْ مِن فِئَةٍ} و {مَالَهُمْ مِن اللهِ} وأمَّا الميمُ المُشَدَّدَةُ بغيرِ الإدغامِ نحوَ (لمَّا) و (ثُمَّ) و (ثَمَّ) وكذا (أمَّا) بالفتحِ، و (إمَّا) بالكسرِ، ففي بعضِ المواضعِ مُدْغَمَةٌ نحوَ {فإمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} إذ أصلُه إنْ الشرطيَّةُ أُدْغِمَتْ في ما المزيدةِ للتأكيدِ، وفي بعضِها مُشَدَّدَةٌ بغيرِ إدغامٍ نحوَ قولِه تعالى {فإمَّا منًّا بعدُ وإمَّا فداءً} فاعرِف التفصيلَ، وإنْ وقعَ إجمالًا في كَلَامِ ابنِ المصنِّفِ، ولعلَّ هذا مرادُ خالدٍ حيثُ قالَ: وفيه بحثٌ يُعْرَفُ بالتأمُّلِ، ولا يبعُدُ أنَّ مُرَادَهُ ما فَهِمَهُ المصريُّ حيثُ قالَ: وفيه بحثٌ إذ التشديدُ مُسْتَلْزَمٌ بالإدغامِ , لكنَّه غيرُ صحيحٍ؛ إذ الأمرُ بالعكسِ، فإنَّ الإدغامَ مُسْتَلْزِمٌ للتشديدِ، بخلافِ عكِسه، وإنَّما يتبيَّنُ لكَ الفرقُ بينهما بحسبِ بِنْيَةِ أصولِها.
(الميمَ إنْ تَسْكنْ بغُنَّةٍ لدى باءٍ على المُخْتَارِ مِن أهلِ الأداءِ)
بالقصرِ وقفًا والميمُ منصوبٌ على أنَّهُ مفعولٌ، لقولِه السابقِ (أَخْفِينَ) ويَتَعَلَّقُ به قولُه (بغُنَّةٍ) و (على المُخْتَارِ) ، وأمَّا قولُه (لدى باءٍ) فظرفٌ لقولِه (إنْ تَسْكُنْ) فأمرَ بإخفاءِ الميمِ إذا سَكَنَتْ وأَتَت الباءُ بعدَها بِناءً على القولِ المختارِ من أقوالِ أهلِ الأداءِ، فالمضافُ محذوفٌ؛ لأنَّ المرادَ مَعْرُوفٌ، وهذا القولُ هو المُعَوَّلُ وعندَ الجمهورِ عليه العملُ وهو مذهبُ ابنِ مجاهدٍ، وغيرِه، وبه قالَ الدانيُّ، واختارَه الناظمُ , كما صرَّحَ به في كتابِ (التمهيدِ) حيثُ قالَ: وبالإخفاءِ آخِذٌ، ثمَّ قالَ شيخُنا ابنُ الجِنْديِّ: واخْتُلِفَ في الميمِ الساكنةِ إذا لَقِيَتْ باءً، والصحيحُ إخفاؤُها مطلقًا،
وإلى إظهارِها ذهبَ المكيُّ وابنُ المُناوِيِّ، وتبِعَه إيازُ محمدٌ السَّمَرْقَنْدِيُّ واشتهرَ عندَ العامَّةِ أنَّ حروفَ (بوف) تظهرُ عندها الميمُ أي الأصليَّةُ، ثمَّ اعلمْ أنَّ سكونَ الميمِ أعمُّ مِن أنْ تكونَ أصليَّةً نحوَ {أمْ بِظَاهِرٍ} أو عارضةَ السكونِ كقولِه {ومَنْ يَعْتَصِمْ باللهِ} ومنه قولُه سبحانَه: {وماهُمْ بِمُؤْمِنِينَ} {فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} ونقلَ زكريَّا أنَّهُ قيلَ بإدغَامِها واللهُ أعلمُ.