الصفحة 57 من 105

(وَأَظْهِرْنَها) أي: أظهر الميمَ البتَّةَ (عندَ باقي الأحرفِ) بالإشباعِ، ِوالمرادُ منها غيرُ الميمِ، فإنَّ حكْمَها عُلِمَ مِن إدغامِ الْمِثْلَيْنِ نحوَ {وَمَنْهُمْ مَنْ} (واحذرْ لدى واوٍ وفَا) بالقصرِ للوزنِ (أنْ تَخْتَفِيَ) بالمصدريَّةِ، والضميرُ للميمِ، وَمَحَلُّهُ النصبُ على أنَّهُ مفعولُ (احْذَرْ) فَتَدَبَّرْ، أي: أظهر الميمَ الساكنةَ عندَ سائرِ الأحرفِ ممَّا عدا الميمَ والباءَ الموحَّدَةَ، سواءٌ وَقَعَتَا في كلمةٍ نحوَ {أَنْعَمْتَ} أو في كلمتينِ نحوَ {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ} ، ثمَّ أمرَ بالحَذَرِ عن إخفاءِ الميمِ قبلَ الواوِ والفاءِ معَ أنَّ حكمَهما عُلِمَ ممَّا قبلَهما في ضمنِ باقي الأحرفِ تصريحًا لدفعِ مَن تَوَهَّمَ أنَّهَا تُخْفَى عندَهما كما تُخْفَى عندَ الباءِ، كما يفعلُه جَهَلةُ القُرَّاءِ وإنَّما نشأَ ذلكَ مِن اتِّحَادِ مَخْرَجِها بالواوِ، وقربِها من الفاءِ، فيَسْبِقُ اللسانُ لذلكَ إلى الإخفاءِ، وأمَّا قولُ بَحْرَقٍ: لاتِّحَادِ المَخْرَجِ ولذا أظهرَها بعضُهم عندَ الباءِ أيضًا فتعليلُه غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ ترتيبَ الإظهارِ على اتِّحادِ المَخْرَجِ غيرُ صحيحٍ، ثمَّ إذا أُظْهِرَتْ فَلْيُتَحَفَّظْ بإسكانِها وَلْيُحْتَرَزْ عنَ تحريكِها كما يفعلُه العامَّةُ في نحوِ (عَلَيْهِمْ ولا) (هُمْ فِيها) واجتمعَا في قولِه: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيَانِهِمْ} .

ثمَّ اعلمْ أنَّ الإخفاءَ حالَ بينَ الإظهارِ والإدغامِ، وهو عارٍ عن التشديدِ , بلْ تُسَكِّنُ الحرفَ كَمَا في المُدْغَمِ، إلا أنَّهُ يُفَرَّقُ بينَهما بأنَّ المَخْفِِِيَّ مُخَفَّفٌ, والمُدْغَمُ مُشَدَّدٌ , وإنَّما يكونُ إذا لم يكنْ هناكَ قربُ مَخْرَجٍ حتى يُدْغِمَ , ولا بُعْدٌ حتَّى يُظْهِرَ، ثمَّ إنَّ للإخفاءِ أيضًا مراتبَ، فكُلُّ ما هو أقربُ يكونُ الإخفاءُ أزيدَ، وما قَرُبَ إلى البعدِ يكونُ الإخفاءُ دونَ ذلكَ، وتظهرُ فائدتُه في تفاوتِ التشديدِ وتفاوتِ الغُنَّةِ , نعمَ الإخفاءُ لا يكونُ بدونِ غُنَّةٍ , فقولُه: بغُنَّةٍ للإيضاحِ بأمرِها والاهتمامِ بِإِظْهَارِها، ولدَفْعِ وَهْمِ تَرْكِها، لوقوعِها في مقابلِ نقيضِها، وأمَّا قولُ الروميِّ: وبغُنَّةٍ متعلِّقٌ بـ (تَسْكُنْ) . فَوَهْمٌ، ومُوهِمٌ أنْ يكونَ قيدًا للسكونِ، فالصحيحُ ما قَدَّمْنَاهُ، وكما أنَّ الإخفاءَ له مراتبُ كذلكَ الإظهارُ يكونُ قَوِيًّا وغيرَ قويٍّ، ولذا قالَ: (واحْذَرْ لدى واوٍ وفا أنْ تَخْتَفِيَ) فالمعنى أنَّكَ إذا لم تُظْهِرْهَا عِنْدَهُمَا كمالَ إظهارِها يُخْشَى إخفاؤُها في أَدْنَى مراتبِها، ثمَّ قالَ بعضُهم: إنَّ النونَ أصلٌ في الغُنَّةِ مِن الميمِ، لقربِه من الخيشومِ، وأمَّا قولُ المصريِّ، وإنَّما لم يذكر التنوينَ؛ لأنَّه نونٌ خفيفةٌ في المَخْرَجِ والصفةِ، وإنَّما الفرقُ بينهما عدمُ ثباتِ التنوينِ في الوقفِ وفي صورةِ الخطِّ، وأنْ لا يكونَ زائدًا على هجاءِ الكلمةِ. فليسَ في مَحَلِّهِ، إذ الكَلَامُ في النونِ المُشَدَّدَةِ، والمُدْغَمِ، ولا يُتَصَوَّرُ أنَّهُ في نونِ التنوينِ، معَ أنَّ سيبويهِ وأتباعَه لم يَذْكُروا في حروفِ الغُنَّةِ إلا النونَ والميمَ، وسيأتي بعدَ ذلكَ حُكْمُ التنوينِ عندَ الحروفِ الهجائيَّةِ علي حسبِ أقسامِها فقدْ قالَ سيبويِه في ذكرِ الحروفِ التي بينَ الشديدةِ والرَّخْوةِ ومنها حرفٌ يجري معَه الصوتُ، وأنَّ ذلكَ الصوتَ غُنَّةٌ مِن الأنفِ، فإنَّما تُخْرِجُهُ مِن أنفِكِ، واللسانُ لازمٌ لموضعِ الحرفِ؛ لأنَّكَ لو أَمْسَكْتَ بأنْفِكِ لم يجرِ معَه صوتٌ، وهو النونُ، وكذلكَ الميمُ، وقالَ نصرُ بنُ عليٍّ الشِّيرَازيُّ: ومنها حرفُ الغُنَّةِ , وهي النونُ والميمُ، سُمِّيَتا بذلكَ؛ لأنَّ فيهما غُنَّةً تخرجُ مِن الخياشيمِ، وهي الصوتُ المحصورُ فيها كأصواتِ الحمامِ والقُمَارِيِّ ا. هـ.

وأمَّا تقييدُ الشاطبيِّ التنوينَ والنونَ والميمَ معَ الغُنَّةِ حيثُ سَكَنَ ولا إظهارَ فبيانٌ للحالةِ التي تَصْحَبُ الغُنَّةَ فيها لهذِه الحروفِ، لا أنَّ هذه الحروفَ ليستْ لازمةً للغُنَّةِ؛ إذْ لاتَنْفَكُّ عنها، فلذلكَ قالَ: شرطُها أنْ يَكُنَّ سَوَاكِنَ، وأنْ يَكُنَّ مَخْفِيَّاتٍ أو مُدْغَمَاتٍ، إلا في موضعٍ نَصُّوا على الإدغامِ فيه بغيرِ غُنَّةٍ، واخْتُلِفَ في ذلكَ على ما سيأتي بيانُه في أحكامِ النونِ الساكنةِ والتنوينِ، فإنْ كُنَّ مُظْهَرَاتٍ أو مُتَحَرِّكَاتٍ فلا غُنَّةَ، أي ظاهرةً لما سبقَ مِن أنَّهُما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت