الصفحة 58 من 105

لايَخْلُوانِ عنها البتَّةَ في كُلِّ حالةٍ يُجَزِئُه، فالعملُ في النونِ للسانِ، وفي الميمِ للشَّفَتَينِ، على ما تقدَّمَ، وكان يُجْزِئُه أنْ يشترطَ عدمَ الإظهارِ؛ إذ يَلْزَمُ مِن ذلكَ أنْ يكنَّ سواكنَ، هذا وقالَ الشيخُ أبو عمرٍو في شرحِ هذه الغُنَّةِ المُسَمَّاةِ بالنونِ المُخْفَاةِ: هذه النونُ ليستْ التي قد مَرَّ ذِكْرُها، فإنَّ تلكَ مِن الفمِ وهذه من الخيشومِ، ثمَّ قالَ: وشرطُ هذه أنْ تكونَ بعدَها حرفٌ منِ حروفِ الفمِ ليصحَّ إخفاؤُها، فإنْ كانَ بعدَها حرفٌ مِن حروفِ الحلقِ، أو كانتْ آخرَ الكَلَامِ، وجبَ أنْ تكونَ الأُولَى، فإذا قلتَ منك، وعنك، فمَخْرَجُ هذه النونِ مِن الخيشومِ، وليستْ تلكَ النونَ في التحقيقِ، فإذا قلتَ: مَن خلقَ، ومَن آمنَ، فهذه هي النونُ التي مَخْرَجُها من الفمِ، وكذلكَ إذا قلتَ: أمكنَ، وَزَيَّنَ، ممَّا يكونُ آخرَ الكَلَامِ وجبَ أنْ تكونَ هي النونَ الأُولَى أيضًا فافهمْ، واللهُ أعلمُ.

بابُ حُكْمِ النونِ الساكنةِ والتنوينِ

(وحكمُ تنوينٍ ونونٍ) أي ساكنٍ (يُلْفَى) بصيغةِ المجهولِ مِن الإلفاءِ، أي يوجدُ أحدُهُما في الكَلَامِ مقرونًا بأحدِ حروفِ الهجاءِ (إظهارٌ إدغامٌ وقلبٌ إخفا) أخبارٌ مُتَعَدِّدَةٌ لقولِه (حُكْمُ) أتى في بعضِها بالعاطفِ وفي بعضِها بغيرِه، إيماءً إلى الجوازِ، وإشعارًا إلى الإيجازِ، فَيُلْفَى صفةٌ للنونينِ، ومفعولُه الثاني مُقَدَّرٌ، كما قرَّرْنَا، وأمَّا إعرابُ الروميِّ بقولِه: يُلْفَى خبرُ المبتدأِ، ونائبُ فاعلِه مفعولُه الأَوَّلُ ضميرٌ راجعٌ إلى الحكمِ، ومفعولُه الثاني محذوفٌ، أي: يوجدُ حكمُ التنوينِ والنونِ على أربعةِ أقسامٍ، وقولُه (إظهارٌ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه أي الحكمُ المذكورُ إظهارٌ إلخ، فلا يخفى على أُولِي النُّهَى أنَّهُ تطويلٌ خارجٌ عن تحقيقِ المبنى وتدقيقِ المعنى، وإنْ كانَ مأخذُه ظاهرَعبارةِ ابنِ المصنِّفِ، لكن مرادُه بيانُ حَلِّهِ، وممَّا يُرَادُ إعرابُه أنَّ (حُكْمُ تنوينٍ) مبتدأٌ ونكرةٌ لأنَّه مضافٌ إلى النكرةِ، وكُلُّ مضافٍ إلى النكرةِ نكرةٌ وإنَّما يُسَوِّغُ كونَه مبتدًأ وصفةً بالجملةِ، ثمَّ قولُه (إظهارٌ إدغامٌ) إنَّما يستقيمُ الوزنُ بنقلِ حركةِ الهمزةِ إلى التنوينِ كما في قاعدةِ وَرْشٍ ثمَّ الفرقُ بينَ النونينِ أنَّ التنوينَ نونٌ ساكنةٌ زائدةٌ لغيرِ توكيدٍ تَلْحَقُ آخرَ الاسمِ لفظًا في الوصلِ، لاوقفًا، ولا خطًّا، وأنَّ النونَ الساكنةَ تَثْبُتُ لفظًا وخطًّا، ووصلًا ووقفًا، وتكونُ في الاسمِ والفعلِ، والحرفِ، مُتَوَسِّطَةً، ومُتَطَرِّفَةً، ثمَّ أنواعُ التنوينِ ثمانيةٌ أو عشرةٌ منها أربعةٌ جاءتْ في التنزيلِ مُخْتَصَّةً بالأسماءِ، وهي: تنوينُ التمكينِ، وهو ما يدلُّ على أَمْكَنيَّةِ الاسمِ؛ لكونِه مُنْصَرِفًا من كمالِ حركاتِ الإعرابِ فيه لفظًا، أو تقديرًا، نحوَ {اسمُ اللهِ} {وهدًى للمُتَّقِينَ} ، وتنوينُ المُقَابَلَةِ نحوَ {مسلماتٍ مؤمناتٍ} ، فإنَّ التنوينَ (فيهما) قابلَ النونَ في مسلمينَ ومؤمنينَ، وتنوينُ العِوَضِ نحوَ: {مِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} فإنَّ التنوينَ فيه عِوَضٌ عن الياءِ المحذوفةِ، ومنه {وأنتُم حينئذٍ} فإنَّ تنوينَه عِوَضٌ عن الجملةِ المحذوفةِ، أي: وأنتمُ حينَ إذا بلغتَ الحلقومَ، وإنَّما حُرِّكَت الذالُ لالتقاءِ الساكنينِ، ومنه تنوينُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت