فهرس الكتاب
الأسماءِ الستَّةِ، أمَّا إذا اجْتَمَعَت النونُ الساكنةُ معَ الواوِ والياءِ في كلمةٍ نحوَ (الدنيا) و (بنيانٌ) و (قِنْوَانٌ) و (صِنْوَانٌ) ولا خامسَ لهذه الأربعةِ أُظْهِرَتْ؛ لئلَّا يَلْتَبِسَ بالمُضَاعَفِ إذا أُدْغِمَتْ، وهو تكررُ أحدِ أصولِه، نحوَ (صوان) و (ديا) كذا ذكرَه المصنِّفُ، وفيه أنَّ المرادَ بالمُضَاعَفِ هنا هو المُضَاعَفُ الثلاثيُّ، وهو ما اتَّحَدَ عينُ الفعلِ ولامُه مِن حروفِ أصولِه (كمَدَّ) و (عَدَّ) فيصيرُ وزنُ (صُوَّانُ) فُعْلَانُ، ووزنُ دُيْاَ فُعْلًا، ليكونَ مُضَاعَفَ الافتعالِ، فإنَّه يصيرُ باقيًا على كونِه أجوفَ , ومعَ هذا فقد يقالُ: إنه لَفِيفٌ، لكن في الجملةِ لا يخلُو عن الشُّبهةِ؛ ولذا قالَ الشاطبيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى (مخافةَ أشباهِ المُضَاعَفِ أَثْقَلَا) وأمَّا قولُ الروميِّ: نحوَ (عُنْوَنُوا) فإنه إذا أُدْغِم يصيرُ (عُوَّنُوا) فيصيرُ (عموا) فخطأٌ ظاهرٌ إذْ (عموا) لا شَكَّ أنَّهُ مُضَاعَفٌ و (عونوا) على حالِه أجوفُ، غايتُه أنَّهُ انتقلَ من بابِ فَعْلَلَ إلى بابِ التفعيلِ، فتأَمَّلْ في حروفِ الأصيلِ.
ثمَّ اعلمْ أنَّ حكمَ اللامِ والراءِ إذا كانتَا معَ النونينِ في كلمةٍ كذلكَ إذا كانَ يجبُ إظهارُهما معَهُما، لئلَّا يشتبهَ بِمُضَاعَفِهِمَا، إلا أنَّهُ لما لم يقعْ شيءٌ منه في القرآنِ في كلمةٍ لم يَحْتَجْ إلى استثنائِه، وأمَّا في كلمتينِ وهو قولُه {مَن رَاقٍ} فالجمهورُ على إدغامِه، وإنَّما سكتَ حفصٌ حالَ الوصلِ على نونِه، وكذا على لامِ {بلْ رانَ} خوفَ اشتباهِه بالمضاعفِ.
حيثُ يصيرُ مَرَّاق، وبرَّان، فيُتَوَهَّمُ أنْ يكونَ الأَوَّلُ مبالغةَ مارقٍ، والثاني تثنيَّةَ البرِ، والمرادُ بالمُضَاعَفِ هنا مَعْناه اللغويُّ دونَ الاصطلاحيِّ، فَتَدَبَّرْ، وسيجئُ وجهُ سكتِه على غيرِهِمَا في بابِ الوقفِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
ثمَّ اعلمْ أنَّهُ لم يَتَأَتَّ للناظمِ أن يأتيَ بمثالِ الواوِ مِن القرآنِ , فأتَى بلفظِ (عُنْوَنوُا) من عُنْوَانِ الكتابِ بضمِّ العينِ ويكسرُ، وهو ظاهرُ ختمِه الدالُّ على ما في طيِّه؛ ولذا قيلَ: الظاهرُ عُنْوَانُ الباطنِ، وما أحسنَ ملاءمةَ هذا المعنى بخصوصِ هذا المبنى، مِن الانتقالِ منه إلى المُدَّعَى، قالَ ابنُ المصنِّفِ: وهو مِن تَعْنِينِ الكتابِ لختمِه، وقالَ الروميُّ: مِن عُنْوَانِ الكتابِ لِخَتْمِهِ، والظاهرُ ما قالَ صاحبُ القاموسِ: عَنَّ الكتابَ وَعَنَّنَهُ وعَنْوَنَهُ وَعَنَّاهُ كَتَبَ عُنْوَانَهُ ا. هـ.
ولا يخفى أنَّ أصلَ الكلمةِ مُضَاعَفَةٌ ففيه من الفائدةِ أنَّ في تصويرِها إشارةً إلى أنَّ الواوَ أعمُّ مِن أنْ تكونَ أصليَّةً أو زائدةً.
ثمَّ اعلمْ أنَّ القُرَّاءَ اختلفُوا في نونِ {يس والقرآنِ و ن والقلمِ} حالَ الوصلِ كما بيَّنَهُ الشاطبيُّ بقولِه:
ويس أَظْهِرْ عن فَتَى حَقُّه بدَا ونونٌ وفيه الخُلْفُ عن وَرْشِهم خلَا
وكذا في نونِ {طسم} عندَ الميمِ فَأَظْهَرَها حمزةُ دونَ غيرِه.
(والقلبُ عندَ البَا) بقصرِها للوزنِ (بغُنَّةٍ كذا) أي وقلبُ النونينِ ميمًا عندَ ملاقاتِهما الباءَ، كما قالَ الشاطبيُّ: (وقلبُهما ميمًا لدى الباءِ) حالَ كونِها مقرونةً بغُنَّةٍ، كما هوَ شأنُ الميمِ الساكنةِ عندَ الباءِ، مِن إخفائِها لديها معَ الغُنَّةِ، كما سبقَ عن