فهرس الكتاب
، (إن يكنْ غنيًّا) بالنساءِ (فَسَيُنْغِضُونَ) بالإسراءِ، ثمَّ لايخفى وجهُ تقديمِ الإظهارِ، فإنَّهُ الأصلُ، وثَنَّى الإدغامَ؛ لأنَّه ضدَّ الإظهارِ المُتَقَدِّمِ، والشيءُ يُحَمَلُ على ضدِّهِ كما يحملُ على نقيضِه؛ إذ الضدُّ أقربُ خطورًا بالبالِ، ولمساواتِه له أيضًا في عِدَّةِ الحروفِ، ثمَّ ذَكَرَ القلبَ؛ لأنَّه نوعٌ من الإدغامِ، وحرفُه واحدٌ قريبٌ إلى الضبطِ، ثمَّ ذكرَ الإخفاءَ حفظًا للإحصاءِ؛ ولأنَّهُ حالةٌ بينَ الإظهارِ والإدغامِ، فَيُتَوَقَّفُ على تحقيقِهما، واللهُ أعلمُ.
ثمَّ أمرَ بإدغامِ كُلٍّ مِن النونينِ في اللامِ والراءِ مِن غيرِ إظهارِ غُنَّةٍ نحوَ (مِن رَبِّهِم) و (بَشَرًا رَسُولًا) و (أنْ لَوْ) (وَهُدَىً للمُتَّقِينَ) ووجهُ إدغامِهما , فيهما تلاصُقُ مَخْرَجِهما عندَ الجمهورِ، اتِّحَادُهُما عندَ جمعٍ، ثمَّ نفيُ الغُنَّةِ عنهما مبالغةٌ في تخفيفِهما؛ لأنَّ في إبقائِها ثِقَلًا ما، قالَ الروميُّ: أو لاتباعِ الصفةِ الموصوفَ، ولِتَنَزُّلِهِمَا بشدَّةِ المناسبةِ منزلةَ المِثْلَينِ النائبِ أحدُهما منابَ الآخرِ، وفيه أنَّ الغُنَّةَ باقيَةٌ في حقيقةِ المثلينِ مِن الميمينِ والنونينِ، فلا وجهَ لنفيِهما فيما يُنَزَّلَُ مَنْزِلَتَهما، قالَ ابنُ المصنِّفِ: وإلى عدمِ الغُنَّةِ أشارَ بقولِه: (لا بغُنَّةٍ لزِمَ) أي: لا بغُنَّةٍ لازمةٍ، بل مُنْفَكَّةٍ عنها، فما سبقَ لخالدٍ مِن إسنادِ الوهمِ إلى ابنِ الناظمِ مبنيٌّ على عدمِ الفهمِ، نعم ذكرَ زكريَّا في نسخةٍ (أتمَّ) فيفيدُ جوازَ إدغامِهما في ذلكَ بغُنَّةٍ، وبه قرأَ جماعةٌ، لكنَّ المشهورَ الأَوَّلُ، وعليه العملُ / ا. هـ. والأظهرُ أنْ لا يجعلَ (أتمَّ) صفةً لغُنَّةٍ؛ لئلَّا يُتَوَهَّمَ جوازُها في قراءةٍ أو روايةٍ لِمَا صرَّحَ الشاطبيُّ رحمَهُ اللهُ من الاتفاقِ بقولِه:
وكُلُّهم التنوينَ والنونَ أَدْغَمُوا بلا غُنَّةٍ في اللامِ والراءِ لِتَجْمُلَا
بل يُجْعَلُ صفةً لإدغامٍ مُقَدَّرٍ، كما سبقَ في (لزمَ) أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ هو: هو، وهو أفعلُ التفضيلِ، أي وذلكَ الإدغامُ أتمُّ، والحكمُ أعمُّ، وهو المُلَائِمُ؛ لأنَّ الإدغامَ إذا لم يكنْ مقرونًا بالغُنَّةِ فلا شَكَّ أنَّهُ أكملُ وأتمُّ ممَّا توجدُ فيه الغُنَّةُ، إذ هي كنوعِ فصلٍ بينَ الحرفينِ ثمَّ أمرَ الناظمُ بإدغامِهما مقرونًا بغُنَّةٍ في حروفِ (يُومِنُ) وهي أربعةُ أحرفٍ: الياءُ، والواوُ، والميمُ، والنونُ، نحوَ {إن يروا} {مِن فئةٍ ينصرونَه} {ومِن والٍ} {إيمانًا وعلى} {وعن من} {سنبلةٍ مائةُ حبَّةٍ} {إن نحن} {ملكًا نقاتلُ} ثمَّ اعلمْ أنَّ خَلَفًا راويَ حمزةَ مِن القُرَّاءِ السبعةِ يُدْغِمُهما في الواوِ والياءِ بلا غُنَّةٍ، فإطلاقُ المصنِّفِ رحمَهُ اللهُ بِناءً على قراءةِ العامَّةِ، ثمَّ اتفقُوا على أنَّ الغُنَّةَ معَ الواوِ والياءِ غُنَّةُ المُدْغِمِ، ومعَ النونِ غُنَّةُ المُدْغَمِ فيه، واختلفُوا معَ الميمِ فذهبَ ابنُ كيسانَ النحويُّ وابنُ مجاهدٍ المُقرِئُ ونحوُهما إلى أنَّهَا غُنَّةُ النونِ تغليبًا للأصالةِ، وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّهَا غُنَّةُ الميمِ كالنونِ في أنَّهُ غُنَّةُ المدغَمِ فيه.
وهو اختيارُ الدانيِّ والمحقِّقِينَ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ الأُولَى قد ذهبتْ بالقلبِ، فلا فرقَ بينَ (من من) و بينَ (أمْ من) أقولُ ولا يبعدُ أنْ يقالَ بغنتِهما إلا في الواوِ والياءِ، فإنَّه لا غُنَّةَ فيهما بالأصالةِ، وإنَّما توجدُ فيهما عندَ المقارنةِ فيفيدُ أنَّ الغُنَّةَ في النونِ والميمِ أقوى من الغُنَّةِ في الواوِ والياءِ؛ ولذا وقعَ خُلْفُ خَلَفٍ فيهما، وجاءَ التأكيدُ بإظهارِ غُنَّةِ النونِ والميمِ المُدْغَمَتَيْنِ، على ما سبقَ بيانُهما، ولا بدَّ أنْ تكونَ الغُنَّةُ في النونينِ أظهرَ مِن غيرِهما , ثمَّ وجهُ الإدغامِ في النونِ هو التماثلُ، وفي الميمِ التجانسُ، وفي الغُنَّةِ، والجهرِ والانفتاحِ والاستفالِ وبعضِ الشدَّةِ،، وفي الواوِ والياءِ هو التجانسُ في الانفتاحِ والاستفالِ والجهرِ ومشابهةِ الغُنَّةِ المدَّ، ومِن ثَمَّ أُعْرِبَ بالنونِ في الأفعالِ الخمسةِ، كما أُعْرِبَ بحروفِ المدِّ في