الصفحة 66 من 105

لكن صرَّحُوا بأنَّ التوسُّطَ ضعيفٌ، ولعلَّ هذا وجهُ اقتصارِ زكريَّا على ما عدَاهُ، وأنَّ اعتبارَ الأصلِ عدمُ الاعتدادِ بالعارضِ، وهو الأكثرُ، فالإشباعُ وأغربَ المصريُّ حيثُ جعلَ نحوَ (والصافاتِ صفًّا) بالإدغامِ عندَ حمزةَ ونحوَ (فَلَا أَنْسَابَ بينَهُم) (ولا تَيَمَّمُوا) مِن المدِّ اللازمِ، وقالَ خلافًا لبعضِهم حيثُ جعلَ مِن القسمِ الجائزِ، والمَعْتمَدِ الأَوَّلُ، وهذا زللٌ منه وخَطَلٌ، فإنَّهُ ذهبَ إلى (خلافِ) ما صرَّحُوا به، فما ذكَرْناه فهو المَعْوَّلُ.

ثمَّ اعلمْ أنَّ أهلَ الأداءِ اتَّفَقُوا على إشباعِ المدِّ للساكنِ اللازمِ في فواتحِ السورِ التي وُجِدَ فيها حرفُ المدِّ والسكونِ؛ ولذا قالَ الشاطبيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى:

وفي نحوِ طه القصرُ إذ ليسَ ساكنٌ ... وما في أَلِفٍ من حرفِ مدٍّ فَيُمْطَلَا

واختلفُوا في قدرِ مدِّ غيرِ الفواتحِ فمنهم مَن مدَّ قدرَ أَلِفَيْنِ كالفواتحِ، وهو اختيارُ الناظمِ، وإليه أشارَ بقولِه (وبالطولِ يُمَدُّ) كذا ذكرَه المصنِّفُ مُجْمَلًا، وينبغي أنْ يكونَ كَلَامُه محمولًا على أنَّ المرادَ بقدرِ أَلِفَيْنِ زيادةً على المدِّ الأصليِّ؛ ليَصِحَّ إطلاقُ الطولِ عليه، فإنَّ أقلَّ الطولِ ثلاثُ ألفاتٍ، والتوسطُ قدرُ أَلِفَيْنِ ليَبْقَى قدرُ ألفٍ للقصرِ، ثمَّ قالَ: ومنهم مَن مدَّ قدرَ ألفٍ واختارَه الأهْوازيُّ، والسخاويُّ في قولِه شعرٌ:

والمدُّ قبلَ المُسَكَّنِ دونَ ما ... قد مدَّ للهمزاتِ باستيقانِ

أقولُ: ومِن المَعْلومِ أنَّ أقلَّ مدِّ الهمزاتِ ثلاثةٌ إجماعًا فمرادُه بقدرِ ألفِ غيرِ ما في حرفِ المدِّ من المدِّ الطبيعيِّ، ثمَّ وجهُ المدِّ اللازمِ أنَّهُ تقرَّرَ في علمِ التصريفِ أنَّهُ لا يُجْمَعُ في الوصلِ بينَ الساكنينِ، فإذا أدَّى الكَلَامُ إليه حُرِّكَ أو حُذِفَ أو زِيدَ في المدِّ لِيُقَدَّرَ مُحَرَّكًا، وهذا موضعُ الزيادةِ؛ ولذا قالَ الخَاقَانِيُّ

شعرٌ:

مَدَدْتُ لأنَّ الساكنينِ تلاقيا ... فصارا كتحريكٍ كذا قالَ ذو الخبرِ

هذا ويسمَّى (مدُّ العدلِ) أيضًا؛ لأنَّه يَعْدِلُ حركتَه، ولتساوِي القُرَّاءِ في قدرِ مدِّهِ، قالَ ابنُ المصنِّفِ: ويُسَمَّى (مدَّ الحجزِ) أيضًا لأنَّه فصلٌ بينَ الساكنينِ، وجعلَه خالدٌ في شرحِه (مدَّ الحجزِ) كقولِه (أَأَنْذَرْتَهُمْ) و (أَئِذَا) سُمِّيَ بذلكَ؛ لدخولِ الألفِ بينَ الهمزتينِ حاجزةً بينهما وَمُبْعِدَةً إحدَاهما عن الأخرى عندَ بعضِ القُرَّاءِ ممَّن يُدْخِلُ الألفَ بينَ الهمزتينِ كراهةَ توالِيهما مُتَحَرِّكَتَيْنِ سواءٌ كانتا مُتَّفِقَتَيْنِ أو مُخْتَلِفَتَيْنِ.

ثمَّ اعلمْ أنَّ لفظَ عينٍ في فاتحتي سورةِ مريمَ والشُّورى لمَّا كانَ ياؤُه لينيَّةً غيرَ مديَّةٍ وإنْ كانَ سكونُ النونِ لازمًا اختلفَ القُرَّاءُ في مقدارِ مدِّها فقالَ ابنُ المصنِّفِ: فيه الإشباعُ، والتوسُّطُ، وتبِعَه الشيخُ زكريَّا، والمحقِّقُون مِن شرَّاحِ الشاطبيّةِ على جوازِ القصرِ أيضًا كما أشارَ إليه الشاطبيُّ بقولِه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت