الصفحة 2 من 34

المقدِّمَةُ

الحمدُ للَّهِ الذي عَمَّتْ نِعْمَتُهُ كلَّ مَوجودٍ، وخَصَّتْ رحمتُهُ مَنْ سَبَقَتْ لهُ العنايَةُ بِمَحْضِ الكرَمِ والْجُودِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الذي لا يُحَمُّ فَضْلُهُ بقِياسٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وأُمَّتِهِ، الذينَ إجماعُهم حُجَّةٌ دونَ إجماعِ سائرِ الناسِ.

أمَّا بعْدُ:

يقولُ الفقيرُ إلى لُطْفِ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ / محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، حَقَّقَهُ اللَّهُ بالمَقَاماتِ الثلاثةِ؛ الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، وأسكنَهُ وأَحِبَّتَهُ أَعْلَى فَراديسِ الْجِنانِ:

لَمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بتيسيرِ نَظْمِ (سُلَّمُ الوُصولِ) المُشْتَمِلِ على جُلِّ وَرقاتِ إمامِ الحرمَيْنِ، استَخَرْتُ اللَّهَ تعالى في أنْ أضَعَ عليهِ شَرْحًا مُخْتَصَرًا سهلًا يُوَضِّحُ مَقاصِدَهُ، ويُكَمِّلُ فوائدَهُ؛ مَحَبَّةً للعلْمِ، ونُصْحًا للمُتَعَلِّمينَ، وخِدمةً لشريعةِ سيِّدِ الأَوَّلِينَ والآخِرينَ، عليهِ أفضَلُ صلاةِ الْمُصَلِّينَ وأَزْكَى سلامِ المُسَلِّمِينَ، ورَجاءَ أنْ تَعودَ عليهِ بركةُ العلماءِ، وأنْ أُحْشَرَ في زُمْرَتِهم؛ فإنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بقَوْمٍ فهوَ منهم، وإنْ لم يَعْمَلْ، والتابعُ يُقْبَلُ إِكْرَامًا للمَتْبُوعِينَ، ولا يُطْرَدُ الطُّفَيْلِيُّ عنْ مَوَائدِ الأكرمينَ.

وسَمَّيْتُهُ بِـ (النُّصْحُ المَبْذُولُ لقُراءِ سُلَّمِ الوُصولِ) ، أسألُ اللَّهَ تعالى النفْعَ بهِ على الدَّوَامِ، وأنْ يَجعلَهُ مِن الأعمالِ التي تَبْقَى بتعاقُبِ الليالِي والأيَّامِ.

وذلكَ في مَقامِ القُطْبِ الغَوْثِ الجامِعِ، والغيثِ الهامِعِ النافعِ، بركةِ الدُّنيا والدِّينِ، وقُدوةِ أهْلِ اللَّهِ الْمُهتدينَ، السَّيِّدِ السَّنَدِ شيخِنا العارِفِ باللَّهِ تعالى سَيِّدِي محمَّدِ بنِ أبي القاسمِ الشريفِ، نَجْلِ القُطْبِ سَيِّدِي عبدِ الرَّحيمِ حَفِظَهُ اللَّهُ تعالى، وأَدامَ عِمارةَ مَقامِهِ بِمُحَمَّدٍ وآلِهِ، والبخارِيِّ ورِجَالِهِ.

الحمْدُ للَّهِ على الإنعامْ بنعمةِ الإيمانِ والإسلامْ

أَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبَا مُصَلِّيًا على النبيِّ الْمُجْتَبَى

محمَّدٍ والآلِ والأصحابْ ... حَمَلَةِ السُّنَّةِ والكتابْ

الافتتاحُ بالحمْدِ بعدَ البَسملةِ أُسْلُوبُ القرآنِ الْمَجيدِ، فيَتأكَّدُ الاقتداءُ بهِ في افتتاحِ الكتُبِ والرسائلِ. وحَمْدُ اللَّهِ تعالى الثناءُ عليهِ بصِفاتِهِ الجميلةِ وأسمائِهِ الْمُقَدَّسَةِ الجليلةِ. والإنعامُ بكَسْرِ الهمزةِ مَصدَرُ أَنْعَمَ، أوْصَلَ النِّعمةَ، وهيَ كلُّ مُلائِمٍ للنفْسِ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ. وقَيَّدَ الحمْدَ بنِعمةِ الإيمانِ والإسلامِ؛ لأنَّهُما أصْلُ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنيويَّةِ، فالنِّعمةُ بدُونِهما استدراجٌ؛ ولذا قالَ الأَشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

[إِنَّ الكافرَ غيرُ مُنْعَمٍ عليهِ؛ لأنَّ مَصيرَهُ إلى النَّارِ] ، ومِنْ ثَمَّ قيلَ: لا نِعمةَ للَّهِ على الكافرِ.

والتحقيقُ أنَّ الإيمانَ والإسلامَ واحدٌ، وإن اخْتَلَفا مفهومًا؛ إذْ مفهومُ الإيمانِ التصديقُ الباطنيُّ، ومفهومُ الإسلامِ الانقيادُ الظاهريُّ.

وقولُهُ: (أَحْمَدُ) ، حَمْدٌ ثانٍ بالجملةِ الفِعْلِيَّةِ؛ لأنَّها أَدَلُّ على تَوَالِي الحمْدِ بنَفْسِهِ، وأصْرَحُ في الدَّلالةِ على إنشاءِ الحمْدِ؛ لأنَّ الاسْمِيَّةَ تَحتمِلُ الإنشائيَّةَ والْخَبَرِيَّةَ، واقتداءً بقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ ) ). ولَمَّا كانت نِعَمُ اللَّهِ تعالى على خَلْقِهِ لا تُحْصَى وَصَفَ قولَهُ: (حَمْدًا) بِـ (كثيرًا) لِيُقَابِلَ كَثرتُهُ كثْرَتَها.

ولِذَا قَالُوا: أفْضَلُ صِيَغِ الحمْدِ وأَبْلَغُها (الحمْدُ للَّهِ حَمْدًا مُوافِيًا لنِعَمِهِ ومُكَافِئًا لِمَزِيدِهِ) . و (طَيِّبًا) : خالصًا مِنْ شَوَائبِ كَدَرِ الرِّيَاءِ ونحوِهِ. وقولُهُ: (مُصَلِّيًا) حالٌ مِنْ فاعلِ أَحْمَدُ، وهيَ مُقَارِنَةٌ لا مَنْوِيَّةٌ، والمُقَارَنَةُ في كلِّ شيءٍ بِحَسَبِهِ، فمُقَارَنَةُ لفْظِ اللَّفْظِ وُقوعُهُ عَقِبَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت