الصفحة 3 من 34

وَ (الحبيبُ) فعيلٌ بمعنى مفعولٍ؛ أي: المحبوبُ، ويَصِحُّ أنْ يكونَ بمعنى فَاعِلٍ؛ أي: الْمُحِبُّ - بضَمِّ الميمِ وكسْرِ الحاءِ المهْمَلَةِ؛ فإنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحائزُ لأَعْلَى كمالِ رُتَبِ الْمَحْبُوبِيَّةِ والْمَحَبِّيَّةِ، كيفَ وقدْ وَرِثَهُ عنهُ أَجِلَّةُ أصحابِهِ، كما أفْصَحَ بهِ قولُهُ تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} . و (الْمُجْتَبَى) بضَمِّ الميمِ وفتْحِ الْمُوَحَّدَةِ: المُخْتَارُ.

وقولُهُ: (مُحَمَّدٍ) عطْفُ بدَلٍ أوْ عطْفُ بيانٍ منْ (الحَبِيبِ) ، وهوَ اسمٌ يُفيدُ المبالَغَةَ في الْمَحموديَّةِ؛ أي: الذي حَمْدُهُ الْمَرَّةَ بعدَ الْمَرَّةِ؛ لكَثْرَةِ ما جُبِلَ عليهِ مِن الْخِصالِ الْحَميدةِ.

كما أنَّ اسْمَهُ أحمدَ يُفِيدُ المبالَغَةَ في الحامِدِيَّةِ؛ لأنَّهُ منقولٌ مِن اسمِ التفضيلِ الْمُقْتَضِي للزِّيَادَةِ، فهوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجَلُّ المَحْمُودِينَ على الإطلاقِ، وأَفْضَلُ الحامدينَ بالاتِّفاقِ.

ولوْ لمْ يَكُنْ (لَهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على تفضيلِهِ على سائرِ الأنبياءِ إلاَّ الاختصاصُ بهَذَيْنِ الاسمَيْنِ الكريمَيْنِ، وتَسميتُهُ بهما في الكتُبِ السماويَّةِ لكَفَى؛ فإنَّ الأوَّلَ يُفيدُ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفضَلُ قائِمٍ بحقِّ الخلْقِ؛ ولذا كَثُرَ حَمْدُهم لهُ، والثاني يَدُلُّ على أنَّهُ أجَلُّ قائمٍ بحقِّ الحقِّ تعالى؛ ولِذَا كانَ أحمَدَ الحامِدِينَ.

وَ (آلُهُ) : أُمَّتُهُ وقَرَابَتُهُ المؤمنونَ، و (الأصحابِ) : جمْعُ صاحبٍ، وهوَ مَن اجْتَمَعَ بهِ في حَيَاتِهِ مُؤمنًا بهِ وماتَ على ذلكَ.

وقولُهُ: (حَمَلَةِ) - بفتْحِ الحاءِ والميمِ المُهْمَلَتَيْنِ - جمْعُ حامِلٍ كَـ"كَمَلَةٍ"جمْعُ كامِلٍ. و (السُّنَّةِ) أَقْوَالُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأفعالُهُ وتقريراتُهُ. و (الكِتَابْ) : القرآنُ، فالصحابةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم هم الذينَ حَمَلُوا لنا الكتابَ والسُّنَّةَ، وقَامُوا بنُصرةِ الدِّينِ، وبَذَلوا فيهِ مُهَجَهم، وقد انْبَنَى الإسلامُ وتَمَهَّدَ الشرْعُ على سُيُوفِهم. ولِذَا تأَكَّدَ حَقُّهم على الأُمَّةِ، ووَجَبَتْ مَحَبَّتُهم على الكافَّةِ، فقاتَلَ اللَّهُ الرَّوَافضَ والخوارجَ، ما أقَلَّ حَيَاءَهم، ولقدْ قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( دَعُوا لِي أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ ) ).

وللَّهِ دَرُّ صاحبِ الْهَمْزِيَّةِ حيثُ قالَ:

ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عنهُ فأَنَّى يَخُطُّوا لَهُمْ خَطَاءْ

وبَعْدُ فالمقصودُ نَظْمُ شَذَرَاتْ مِمَّا تَضَمَّنَ كتابُ الوَرَقَاتْ

سَمَّيْتُهُ بسُلَّمِ الوُصُولِ إلى الضَّرُورِيِّ مِن الأصولِ

وَفْقَ إشارةٍ مِنَ الأحِبَّا أَجْعَلُهُ ذَخيرةً للعُقْبَى

وأَسأَلُ النفْعَ بهِ كالأَصْلِ فإنَّهُ جَلَّ جَزيلُ الفَضْلِ

(بَعْدُ) مِن الظروفِ الْمَبْنِيَّةِ على الضمِّ؛ لقَطْعِها عن الإضافةِ لفْظًا لا معنًى، والتقديرُ: بعدَ الحمْدِ والصلاةِ على رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُؤْتَى بها للانتقالِ مِنْ نَوْعٍ مِن الكلامِ إلى غيرِهِ.

و (الشَّذَرَاتْ) - بفتْحِ الشينِ والذَّالِ الْمُعْجَمَتْيِنِ - جمْعُ شَذْرَةٍ - بفتْحٍ فَسُكُونٍ - قِطَعٌ مِن الذَّهَبِ تُلْتَقَطُ مِنْ مَعْدِنِهِ بلا إذابَةٍ، أوْ خَرَزٌ يُفْصَلُ بها النَّظْمُ، أوْ هوَ اللُّؤْلُؤُ الصِّغارُ، الواحدةُ بِهَاءٍ. قالَهُ في (القاموسِ) . والمرادُ نَظْمُ مَسَائِلَ، فشَبَّهَ المسائلَ بالشَّذَراتِ بجامِعِ الرَّغْبَةِ في كُلٍّ. وقولُهُ: (مِمَّا تَضَمَّنَ كتابُ الوَرقاتِ) ؛ أيْ: ممَّا اشْتَمَلَ عليهِ كتابُ الورقاتِ، وأَتَى بِمَن التَّبْعِيضِيَّةِ إشارةً إلى أنَّهُ لم يَنْظِمْ كاملَ مَسائلِهِ بلْ جُلَّهَا.

وكتابُ الورقاتِ هذا مَشهورٌ مُتداوَلٌ مُنْتَفَعٌ بهِ، خَدَمَهُ الفحولُ بالشروحِ والحواشِي، وهوَ لأَبِي المعالِي المشهورِ بإمامِ الْحَرمَيْنِ، واسْمُهُ عبدُ الْمَلِكِ، أحَدُ أئمَّةِ الشافعيَّةِ صاحبُ التصانيفِ المفيدةِ، ووالدُهُ الشيحُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ - بضمِّ الجيمِ وفتْحِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت