الصفحة 5 من 2396

عصره، وعلا شعراء وقته، واتصل بالأمير أبي الحسن بن حمدان المعروف سيف الدولة، وانقطع إليه، وأكثر القول في مدحه، ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافورا الخادم، وأقام هناك مدّة، ثم خرج من مصر فوردَ العراق، ودخل بغداد، وجالس أهل الأدب، وقرئ عليه ديوانه.

فحدّثني أحمد بن أبي جعفر القطيفي عن أبي أحمد عبيد الله بن محمد بن مسلم الفرضي، قال: لمّا ورد المتنبي بغداد سكن ربض حميد، فمضيت إلى الموضع الذي نزل فيه لأسمع منه شيئا من شعره، فلم أصادفه، فجلست أنتظر، وأبطأ عليّ فانصرفت من غير أن ألقاه، ولم أعُد بعد ذلك. وقد كان القاضي أبو الحسن محمد بن أحمد القاسم المحاملي سمع منه ديوانه ورواه عنه، واخبرنا علي بن المحيّن التنوخي عن أبيه، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي الترمذي، قال: كان المتنبي وهو صبي نزل في جواري بالكوفة، وكان يُعرف أبوه بعيدان السقّاء، يستقي لنا ولأهل المحلّة. ونشأ هو محبًّا للعلم والأدب، فطلبه، وصحب الأعراب في البادية، فجاءنا بعد سنين بدويا فحّا. وقد كان تعلّم الكتابة والقراءة، فلزم الأدب والعلم، وأكثر من ملازمة الورّاقين. وكان علمه من دفاترهم. فأخبرني ورّاق يجلس إليه يوما، قال: ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عيدان قطّ. فقلت له: كيف؟ قال: كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتابا من كتب الأصمعي، سمّاه الورّاق، وأنسبه أبو الحسن يكون نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، قال: فأخذ ينظر فيه طويلا، فقال له الرجل: يا هذا أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون ان شاء الله بعد شهر، فقال له ابن عيدان: فإن كنت قد حفظته في هذه المدّة فما لي عليك؟ قال: أهب لك الكتاب. قال: فأخذت الدفتر من يده وأقبل يتلوه عليّ إلى آخره، ثم استلبه فجعله في كمّه وقام. فعّلق به صاحبه وطالبه بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل، قد وهبته لي، قال: فمعناه منه وقلنا له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت