فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 23

فهذه الصناعة هي رئيسة الصناعات وهي أعظم الصناعات قوة. وتلك الفضيلة الخلقية هي أعظم الفضائل الخلقية قوة. ثم تتلو هذه الصناعة سائر الصناعات فتكون صناعة من جنس أكمل وأعظم قوة مما في جنسها متى كانت غايتها إنما توفى باستعمال أفعال الصنائع التي من جنسها مثل الصناعات الجزئية الرئيسة. فإن صناعة قود الجيوش منها هي الصناعة التي إنما يبلغ الغرض منها باستعمال أفعال الصنائع الحربية الجزئية وكذلك الصناعة التي ترأس الصناعة المالية في المدينة هي الصناعة التي إنما يبلغ غرضها من المال باستعمال الصنائع ثم ظاهر أن كل ما هو أنفع وأجمل فإما أن يكون أجمل في المشهور أو أجمل في ملة أو أجمل في الحقيقة. كذلك الغايات الفاضلة إما أن تكون فاضلة وخيرا في المشهور أو فاضلة وخيرا في ملة ما أو فاضلة وخيرا في الحقيقية. وليس يمكن أن يستنبط الأجمل عند أهل ملة ما إلا الذي فضائله الخلقية فضائل في تلك الملة خاصة وكذلك من سواه. وتلك حال الفضائل التي هي أعظم قوة والجزئيات التي هي أصغرها قوة.

فالفضيلة الفكرية التي هي أعظمها قوة والفضيلة الخلقية التي هي أعظمها قوة لا يفارق بعضها بعضا. وبين أن الفضيلة الفكرية الرئيسة جدا لا يمكن إلا أن تكون تابعة للفضيلة النظرية لأنها إنما تميز أعراض تلك المعقولات التي جعلتها الفضيلة النظرية محصلة من غير أن تكون هذه الأعراض مقترنة بها. فإن كان مزمعا أن يكون الذي له الفضيلة الفكرية إنما يستنبط المتبدلات من الأعراض والأحوال في المعقولات التي معرفته بها تبصرة نفسه وعلم نفسه حتى لا يكون ما يستنبطه يستنبطه فيما عسى أن لا يكون صحيحا أن تكون الفضيلة الفكرية غير مفارقة للفضيلة النظرية. فتكون الفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية الرئيسة والفضيلة الخليقة الرئيسة والصناعة الرئيسة غير مفارق بعضها بعضا وإلا اختلت هذه الآخرة ولم تكن كاملة ولا الغاية في الرياسة كاملة. لكن إن كانت الفضائل الخلقية إنما يمكن أن تحصل موجودة بعد أن صيرتها الفضيلة النظرية معقولة بأن تميزها الفضيلة الفكرية وتستنبط أعراضها التي تصير معقولاتها موجودة باقتران تلك الأعراض بها فالفضيلة الفكرية إذن سابقة للفضائل الخلقية. فإذا كانت سابقة لها فالذي له الفضيلة الفكرية التي يستنبط بها الفضائل الخلقية التي سبيلها أن توجد منفردة دون الفضائل الخلقية فإن انفردت الفضيلة الفكرية عن الفضيلة الخلقية لم يكن الذي له قدرة على استنباط الفضائل التي هي خيرات خيرًا ولا بفضيلة واحدة. فإن لم يكن خيرا فكيف التمس الخير أو هوي الخير بالحقيقة لنفسه أو لغيره. فإن لم يكن هوية فكيف يقدر على استنباطه ولم يجعله غايته. فالفضيلة الفكرية إذن إذا انفردت دون الفضيلة الخلقية لم يمكن أن يستنبط بها الفضيلة الخليقة.

فإن كانت الفضيلة الخلقية لا تفارق الفضيلة الفكرية وكان وجودهما معا فكيف استنبطتها الفضيلة الفكرية ثم جعلتها مقترنة بها فإنه يلزم إن كانت غير مفارقة لها أن تكون استنبطتها هي وإن كانت هي التي استنبطتها فقد انفردت عنها. فلذلك إما أن تكون الحيرة وإما أن تجعل فضيلة أخرى مقترنة بالفضيلة الفكرية غير الفضيلة الخلقية التي استنبطتها القوة الفكرية. فإن كانت تلك الفضيلة الخلقية كائنة أيضا بإرادة لزم أن تكون الفضيلة الفكرية هي التي استنبطتها فيعود الشك الأول.

فإذن يلزم أن تكون الفضيلة الفكرية هي التي استنبطتها الفضيلة الفكرية مقترنة بالفضيلة النظرية تهدي بها من له الفضيلة الخيرية والغاية الفاضلة. وتكون تلك الفضيلة طبيعية وكائنة بالطبع مقترنة بفضيلة فكرية كائنة بالطبع تستنبطها الفضائل الخلقية الكائنة بإرادة وتكون الفضيلة الكائنة بالإرادة هي الفضيلة الإنسانية التي إذا حصلت للإنسان بالطريق الذي تحصل له بها الأشياء الإرادية حصلت حينئذ الفضيلة الفكرية الإنسانية. ولكن ينبغي أن ينظر كيف هذه الفضيلة الطبيعية هل هي بعينها هذه الفضيلة الإرادية أم لا لكن ينبغي أن يقال إنها شبيهة بها مثل الملكات التي توجد في الحيوانات غير الناطقة مثل ما يقال الشجاعة في الأسد والمكر في الثعلب والروغان في الذئب والسرقة في العقعق وأشباه ذلك. فإنه لا يمنع أن يكون كل إنسان مفطورًا على أن تكون قوة نفسه في أن يتحرك إلى فعل فضيلة ما من الفضائل أو ملكة ما من الملكات في الجملة أسهل عليه من حركته إلى فعل ضدها. والإنسان أولا إنما يتحرك إلى حيث تكون الحركة عليه أسهل إن لم يقسر على شيء آخر غيره.

فإذا كان إنسان من الناس مفطورا مثلا على أن تكون حاله فيما نقدم عليه من المخاوف أكثر من إحجامه عنها فما هو إلا أن يتكرر عليه ذلك عدة مرار إلا وقد صارت له تلك الملكة إرادية وقد كانت له تلك الملكة الأولى الشبيهة بهذه طبيعية. فإن كانت كذلك في الفضائل الخلقية الجزئية التي شأنها أن تقترن بالفضائل الفكرية الجزئية فكذلك ينبغي أن تكون حال الفضائل الخلقية العظمى التي شأنها أن تقترن بالفضائل الفكرية العظمى. فإن كان كذلك لزم أن يكون إنسان دون إنسان مكونا بفطرته لفضيلة تشبه الفضيلة العظمى مقرونة بقوة فكرية بالطبع عظمى ثم سائر المراتب على ذلك. فإذا كان كذلك فليس أي إنسان اتفق تكون صناعته وفضيلته الخلقية وفضيلته الفكرية عظيمة القوة فإن الملوك ليس إنما هم ملوك بالإرادة فقط بل بالطبيعة وكذل الخدم خدم بالطبيعة أولا ثم ثانيا بالإرادة فيكمل ما أعدوا له بالطبيعة. فإذا كان كذلك فالفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية العظمى والفضيلة الخلقية العظمى والصناعة العملية العظمى إنما سبيلها أن تحصل فيمن أعد لها بالطبع وهم ذوو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت