فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 23

الطبائع الفائقة العظيمة القوى جدا فإذا حصلت هذه في إنسان ما يبقى بعد هذا أن تحصل الجزئية في الأمم والمدن. ويبقى أن نعلم كيف الطريق إلى إيجاد هذه الجزئية في الأمم والمدن فإن الذي له هذه القوى العظيمة ينبغي أن تكون له قدرة على تحصيل جزئيات هذه في الأمم والمدن. وتحصيلها بطريقين أوليين: بتعليم وتأديب.

والتعليم هو إيجاد الفضائل النظرية في الأمم والمدن والتأديب هو طريق إيجاد الفضائل الخلقية والصناعات العملية في الأمم. والتعليم هو بقول فقط والتأديب هو أن تعود الأمم والمدنيون الأفعال الكائنة عن الملكات العملية وبأن تنهض عزائمهم نحو فعلها وأن تصير تلك وأفعالها مسئولية على نفوسهم ويجعلوا كالعاشقين لها. وإنهاض العزائم نحو فعل الشيء ربما كان بقول وربما كان بفعل. والعلوم النظرية إما أن يعلمها الأئمة والملوك وإما أن يعلمها من سبيله أن ستحفظ العلوم النظرية. وتعليم هذين بجهات واحدة بأعيانها وهي الجهات التي سلف ذكرها بأن يعرفوا أولا المقدمات الأول والمعلوم الأول في جنس جنس من أجناس العلوم النظرية ثم يعرفوا أصناف أحوال المقدمات وأصناف ترتيبها على ما تقدم ذكره. ويؤخذو بتلك الأشياء التي ذكرت بعد أن يكونوا قد قومت نفوسهم قبل ذلك: الأشياء التي تراض بها أنفس الأحداث الذين مراتبهم بالطبع في إنسانية هذه المرتبة. ويعودوا استعمال الطرق المنطقية كلها في العلوم النظرية كلها ويؤخذوا بالتعلم من صباهم على الترتيب الذي ذكره أفلاطون مع سائر الآداب ألى أن يبلغ كل واحد منهم أشده.

ثم يجعل الملوك منهم في مراتب رياسة رياسة من الرياسات الجزئية ويترقون قليلا قليلا من مراتب الرياسات الجزئية إلى أن يبلغوا ثمانية أسابيع من أعمارهم ثم يجلعوا في مرتبة الرياسة العظمى. فهذا طريق تعليم هؤلاء وثم الخاصة الذين سبيلهم أن لا يقتصر بهم في معلوماتهم النظرية على ما يوجبه بادئ الرأي المشترك. وينبغي أن يعلموا الأشياء النظرية بالطرق الإقناعية وأن كثيرا من النظرية يفهمونها بطريق التخييل وهي التي لا سبيل إلى أن يعقلها الإنسان إلا بعد أن يعقل معلومات كثيرة جدا وهي المبادئ القصوى والمبادئ التي ليست هي جسمانية. فإن تلك ينبغي أن يفهم العامة مثالاتها وتمكن في نفوسهم بطريق الإقناعات وتمييز ما ينبغي أن تعطاه أمة أمة من ذلك وما سبيله أن يكون مشتركا لجميع الأمم ولجميع أهل كل مدينة. وما ينبغي أن تعطاه أمة دون أمة أو مدينة دون مدينة أو طائفة من أهل مدينة دون طائفة. وهذه كلها سبيلها أن تميز بالفضيلة الفكرية إلى أن تحصل لهم الفضائل النظرية.

وأما الفضائل العملية والصناعات العملية فبأن يعودوا أفعالها وذلك بطريقين: أحدهما بالأقاويل الإقناعية والأقاويل الانفعالية وسائر الأقاويل التي تمكن في النفس هذه الأفعال والملكات تمكينا تاما حتى يصير نهوض عزائمهم نحو أفعالها طوعا وتلك ممكنة بما أعطتها من استعمال الصنائع المنطقية وما يعود وا من استعمالها. والطريق الآخر هو طريق الإكراه وتلك تستعمل مع المتمردين المعتاصين من أهل المدن والأمم الذي ليسو ينهضون للصواب طوعا من تلقاء أنفسهم ولا بالأقاويل. وكذلك من تعاصى منهم على تلقي العلوم النظرية التي تعاطاها. فإذن إذا كانت فضيلة الملك أو صناعته هي استعمال أفعال فضائل ذوي الفضائل وصناعات ذوي الصناعات الجزئية فإنه يلزم ضرورة أن يكون من يستعملهم من أهل الفضائل وأهل الصنائع في تأديب الأمم وأهل المدن طائفتين أوليتين: طائفة يستعملهم في تأديب من يتأدب منهم طوعا وطائفة يستعملهم في تأديب من سبيله أن يؤدب كرها. وذلك على مثال ما يوجد الأمر عليه في أرباب المنازل والقوام بالصبيان والأحداث. فإن الملك هو مؤدب الأمم ومعلمها كما أن رب المنزل هو مؤدب أهل المنزل ومعلمهم والقيم بالصبيان والأحداث هو مؤدب الصبيان والأحداث ومعلمهم. وكما أن كل واحد من هذين يؤدب بعض من يؤدبه بالرفق والإقناع ويؤدب بعضهم كرها. كذلك الملك فإن تأديبهم كرها وتأديبهم طوعا. جميعا من أجل ما هية واحدة في أصناف الناس الذين يؤدبون ويقومون.

وإنما يتفاضل في القلة والكثرة وفي عظم القوة وصغرها وعلى قدر عظم قوة تأديب الأمم. ويتفاضل في تقويمهم على قوة تأديب الصبيان والأحداث وتأديب أرباب المنازل لأهل المنازل. كذلك عظم قوة المقومين والمؤدبين الذين هم الملوك ومن يستعمل وما يستعمل في تأديب الأمم والمدن وإنه يحتاج من المهن التي بها يكون التأديب طوعا إلى أعظمها قوة ومن التي يؤدب بها كرها إلى أعظمها قوة وتلك من الماهية الجزئية وهي القوة على جودة التدبير في قوة الجيوش مثلا واستعمال آلات الحرب والناس الحربيين في مغالبة الأمم والمدن الذي لا يتعادون لفعل ما ينالون به السعادة التي لأجل بلوغها كون الإنسان. وإن كل موجود إنما كون ليبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه. فالذي للإنسان من هذا هو المخصوص باسم السعادة القصوى وما لإنسان إنسان من ذلك بحسب رتبته في الإنسانية هو السعادة القصوى التي تخص ذلك الجنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت