فهرس الكتاب
يقولُ: فَأَغْضَى الذِّئْبُ، وأغْضَت الذئابُ معهُ: أيْ: سَكَتَتْ بعدَ صياحٍ مُدْنِيَةً لجُفُونِهَا، وأَنِسَ هوَ بها وأَنِسَتْ بهِ مُقْفِرَاتٍ من الطعامِ، صَبَّرَهَا مُقْفِرٌ مثْلُها وصَبَّرَتْهُ هيَ.
ويصحُّ أنْ يكونَ (مَرَامِلُ) خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أيْ: هيَ مَرَامِلُ، وهوَ أولى لسَلامَتِهِ منْ وضعِ الظاهرِ موضعَ المُضْمَرِ، واللَّهُ (9 / ب) أعلمُ سُبحانَهُ.
وأَوْلَى من التقديرَيْنِ أنْ يكونَ منصوبًا على الحالِ منْ فاعلِ (ابْتَسَتْ) ، وهوَ ضميرُ الذئابِ.
34 -شَكَا وشَكَتْ ثمَّ ارْعَوَى بعدُ وَارْعَوَتْ وللصبرِ إنْ لمْ ينْفَعِ الشَّكْوُ أجمَلُ
الارْعِوَاءُ: النُّزُوعُ عن الجَهْلِ، وحُسْنُ الرجوعِ عنهُ.
يقولُ: شَكَا الذئبُ للذئَابِ عندَ اجتمَاعِهِم ما يجِدُهُ من الجوعِ والخَيْبَةِ في الطلبِ، وشَكَتْ هيَ لهُ ذلكَ. ثمَّ نَزَعَ عنْ ذلكَ بعدُ، وكفَّ وكفَّتْ هيَ أيضًا عن الشَّكْوَى، صابرةً على تلكَ البلوى، ولَلصَّبْرُ أكثرُ جمالًا من الشكوى إنْ لمْ يكُنْ لها نفعٌ. والمُشَارَكَةُ بينَ الصبرِ والشكوى في الجمالِ بحسَبِ اعتقادِ الشاكي على ما يقتضيهِ الطبعُ، وإلاَّ فلا جمالَ للجزَعِ والشكوى بالنسبةِ للصبرِ، حتَّى يكونَ الصبرُ زائدًا عليهِ بعدَ المشاركةِ. نَعَمْ قدْ يكونُ الجزَعُ في بعضِ المواطنِ هوَ الجميلَ دونَ الصبرِ كفقدِ الدِّينِ ومَنْ جاءَ بالدِّينِ خاتَمِ النبيِّينَ، وإمامِ المُرسلِينَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وعليهم أجمعينَ، فإنَّهُ كما قالَ شاعِرُهُ حسَّانُ بنُ ثابتٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: [الكامل]
والصَّبْرُ يُحْمَدُ في المواطنِ كُلِّها إلاَّ عليكَ فإنَّهُ مذْمُومُ
35 -وفَاءَ وفاءَتْ بادِرَاتٍ وكُلُّها على نَكَظٍ مِمَّا يُكَاتِمُ مُجْمِلُ
الفَيْئَةُ: الرجوعُ، والبَادِرُ: الذي بَدَرَ غيرَهُ إلى الأمرِ، سَبَقَهُ إليهِ وعاجَلَهُ. والنَّكَظُ، بالنونِ والكافِ والظاءِ المُشَالَةِ مُحرَّكةً: الجَهدُ والمشقَّةُ هنا. والمُكاتَمَةُ: الكَتْمُ والكِتْمانُ؛ أي: الإخفاءُ. والإجمالُ: التُّؤَدَةُ والاعتدالُ في الطلبِ منْ غيرِ إفراطٍ.
و (بَادِرَاتٍ) منصوبٌ على الحالِ منْ فاعلِ (فاءَتْ) . و (كلُّها) مبتدأٌ خبرُهُ (مُجْمِلُ) بسكونِ الجيمِ وكسرِ الميمِ. و (على نَكَظٍ) حالٌ من الضميرِ المُسْتَتِرِ في الخبَرِ، و (علَى) فيهِ بمعنى (مَعَ) . و (ما) في (مِمَّا يُكَاتِمُ) موصولٌ اسمِيٌّ، و (يُكَاتِمُ) صِلَتُهُ، والعائدُ محذوفٌ؛ لأنَّهُ منصوبٌ بالفعلِ.
وتقديرُ البيتِ: ثمَّ ارعَوَى وارعَوَتْ ورَجَعَ عَوْدُهُ على بدْئِهِ، ورجعَتْ هيَ أيضًا في حالِ كونِهَا سابقاتٍ إلى الفيئةِ، وكلُّ واحدةٍ منها مُتَّئِدٌ في طلبِ القوتِ معتدلٌ فيهِ، ليسَ معهُ شيءٌ من الإفراطِ المُؤْذِنِ بشدَّةِ الحرصِ معَ جهدٍ ومشقَّةٍ كائنٍ من الذي يُخْفِيهِ من (10 / أ) الجوعِ الشديدِ الذي لا يُشْبِهُ الجوعَ، وقدْ قدَّمْنَا المَثَلَ الذي يُضْرَبُ في جوعِ الذئبِ، وهوَ قوْلُهُم: رماهُ اللَّهُ بدَاءِ الذئبِ، ويقولونَ أيضًا: هوَ كالذِّئْبِ يُغْبِطُ بذِي بطْنِهِ وهوَ جائعٌ، وإذا كانَ الذئبُ ـ وهوَ حيوانٌ أعجمُ منْ أحقرِ الحيواناتِ على ما يُكَابِدُهُ من التعبِ المُفْرِطِ من الجوعِ والحاجةِ الشديدةِ ـ ليسَ بشديدِ الحرصِ على القوتِ فينبغي للإنسانِ وهوَ فاهمٌ عاقلٌ ألاَّ يكونَ شرًّا من الذئبِ في ذلكَ.