الصفحة 16 من 32

36 -وأَشْرَبُ أَسْآرَ الْقَطَا الكُدْرِ بعْدَمَا سِرْتُ قَرَبًا أحْنَاؤُهَا تتَصَلْصَلُ

الأَسْآرُ: البقَايا، واحدُها سُؤْرٌ. والقَطَا كالقَطَوَاتِ: جمعُ قَطَاةٍ، وهيَ طائرٌ معروفٌ، وهيَ ثلاثةُ أنواعٍ؛ منها: الكُدْرُ. والكُدْرَةُ: غَبْرَةٌ في الألوانِ. وقدْ ذكَرْنَا أنواعَ القَطَا مُفَسَّرَةً في شرحِ قلائدِ العِقْيانِ عندَ قولِ المُعْتَمَدِ: [الطويل]

بَكَيْتُ إلى سِرْبِ القَطَا إذ مرَرْنَ بي

والقَرَبُ بالتحريكِ: سيرُ الليلِ لوِرْدِ الغداةِ. والأحناءُ: الأضلاعُ، والتَّصَلْصُلُ التصويتُ.

قولُهُ: أشْرَبُ معطوفٌ على قوْلِهِ: أغْدُو إلى القُوتِ، والتقديرُ: وأشْرَبُ بقايا الماءِ الفاضلِ عن القَطَا الكُدْرِ بعدَ ورُودِهَا، وهوَ أسبقُ الطيرِ وُرُودًا. فشُرْبُهُ أَسْآرَهَا المرادُ منهُ سَبْقُهُ إليهِ وتبكيرُهُ، وسرعَتُهُ في السيرِ إليهِ، بحيثُ لا يسبِقُهُ إليهِ إلاَّ القطا الذي هوَ أسرعُ الطيرِ ورُودًا، إذْ لوْ سبقَ غيرُ القَطَا لكانَ ما يشربُهُ أسْآرَ الغيرِ؛ لأنَّ السُّؤْرَ يُضَافُ إلى الشاربِ الأخيرِ.

فتبَيَّنَ ممَّا قرَّرْنَا بهِ شُرْبَ أَسْآرِ القطا أنَّهُ كنايَةٌ أُرِيدَ بهِ لازمَ معناهُ من السرعةِ والسَّبْقِ إليهِ معَ المعنى أيضًا. وهوَ سَبْقُ القَطَا إيَّاهُ إلى الوُرُودِ، أيْ: يشْرَبُ بعدَ شُرْبِ القطا، بعدَ سُرَاهَا ـ أي: القَطَا ـ قَرَبًا: أيْ: سيْرُهَا الليلَ لتُصْبِحَ الماءَ في حالةِ تصويتِ أحْنَائِها في طيرَانِها إلى الماءِ، فقولُهُ: (بعْدَمَا سرَتْ) ظرفٌ لما دلَّ عليهِ القطا منْ شُرْبِها.

والتقديرُ: ويشْرَبُ الفاضلُ عنْ شُربِ القطا الكائنِ ذلكَ الشربُ بعدَ سُرَى القطا قَرَبًا، أيْ: سُرَاهَا سُرَى قَرَبٍ.

فقولُهُ: قَرَبًا منصوبٌ على المفعولِيَّةِ المُطْلَقَةِ؛ لأنَّ القَرَبَ نوعٌ من السُّرَى باعتبارِ الحاملِ عليهِ.

ووقعَ في هذا البيتِ تصحيفٌ فيما بيدَيَّ منْ نُسَخِ القصيدةِ فَكُتِبَ: (وَتَشْرَبُ) بالتاءِ المُوهِمَةِ أنَّ الفعلَ للذئابِ، معَ أنَّهُ لهُ، وذلكَ يقتضي أنْ يُكْتَبَ بالهمزةِ ويدلُّ لها قولُهُ:

37 -هَمَمْتُ وهَمَّتْ وابْتَدَرْنَا فَأَسْدَلَتْ وشَمَّرَ مِنِّي فَارِطٌ مُتَمَهِّلُ

(10 / ب) فإنَّهُ صريحٌ في أنَّهُ أدْرَكَهَا عندَ المَنْهَلِ قبلَ ورُودِها، فابتدرَ كلٌّ منهما إليهِ، أيْ: عاجلَ كُلٌّ منهما الآخرَ إلى الورودِ بعدَ الهمِّ بهِ الكائنِ منْ كلٍّ منهما.

فأسْدَلَتْ هيَ؛ أيْ: أَرْخَتْ أجْنِحَتَها لتَرِدَ الماءَ بعدَ الابتدارِ، وشمَّرَ منهُ هوَ، أيْ: جدٌّ فارطٌ، أيْ: سابقٌ مُتقدِّمٌ على الوارِدِينَ إلى الماءِ، وهوَ نفسُ ذلكَ الفارطِ، انتزعَ منْ نفْسِهِ فارطًا مبالغةً في كوْنِهِ هوَ فارِطًا تنبيهًا على كمالِ صفةِ الفُرُوطِ فيهِ، وبلُوغِها الغايَةَ، حتَّى ساغَ لهُ أنْ ينتزعَ منهُ شخصًا موصوفًا بمثلِ تلكَ الصفةِ، وهذا الانتزاعُ يُسَمَّى تجريدًا في عُرْفِ أهلِ البديعِ، والمفيدُ لهُ هُنَا (مِنْ) فهيَ تجريدِيَّةٌ ولا ينْحَصِرُ ذلكَ فيها بلْ قدْ يكونُ بالباءِ التجريدِيَّةِ كقَوْلِهِمْ: (لَقِيتُ بفُلانٍ أسدًا وبَحْرًا) مثلًا، وقدْ يكونُ بغيرِ ما ذُكِرَ وهوَ كثيرٌ. والمُتَمَهِّلُ المُتَّئِدُ الذي يمْشِي على مَهْلٍ، وهذا يدلُّ على تشارُكِهما في الشُّرْبِ واتِّحَادِهما في زمانِهِ فلَمْ تَسْبِقْهُ، فلَمْ يَرِدُ سُؤْرَهَا حينئذٍ إلاَّ أنْ يُقَالَ: شُرْبُ السُّؤْرِ لا يدُلُّ علَى تقَدُّمِ المُسْئِرِ، فإنَّهُ قدْ يتحقَّقُ معَ الاصطحابِ، فإنَّ كُلاًّ من المُصْطَحِبِينَ في الشُّرْبِ مُبْقٍ سُؤْرًا؛ أيْ: بقِيَّةً، فعوْدُهما للشُّرْبِ بعدَ عَوْدٍ للسُّؤْرِ؛ أيْ: عَوْدُ كُلٍّ منهما عَوْدٌ لسُؤْرِ الآخرِ، فهوَ شاربٌ سُؤْرَها، وهيَ شاربةٌ سُؤْرَهُ.

وقدْ يُقَالُ: يتمخَّضُ لهُ شربُ السُّؤْرِ في زمانِ الاصطحابِ أيضًا لقِصَرِ زمانِ شُرْبِها، وطولِ زمانِ شُرْبِهِ، فيتأَخَّرُ عنها وإنْ لمْ تتقَدَّمْ عليهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت