فهرس الكتاب
على أنَّ قولَهُ بَعْدُ صريحٌ في تقدُّمِهِ عليها، وهوَ قولُهُ:
38 -فَوَلَّيْتُ عنها وهيَ تكْبُو لعَقْرِهِ تُباشِرُهُ منها ذُقُونٌ وحَوْصَلُ
إلاَّ أنْ يُرِيدَ بقولِهِ: (فولَّيْتُ عنها) لتَشْرَبَ قبلَهُ، ويُرِيدُ بذلكَ أنَّهُ لمْ يُزَاحِمْهَا ولمْ يُنَفِّرْهَا معَ قُدْرَتِهِ على ذلكَ عَمَلًا على ما تَقْتَضِيهِ مكارمُ الأخلاقِ، وهوَ الألْيَقُ بالمقامِ؛ لأنَّهُ في سياقِ الافتخارِ والتمَدُّحِ بمحاسنِ الخِلالِ.
وهذا كُلُّهُ بناءً على ما سبقَ إلى الوهمِ أنَّ اللفظَ أَشْرَبُ بصيغةِ مضارعِ المُتكلِّمِ، وبعدَ كَتْبِي ما تقدَّمَ تبيَّنَ لي أنَّ اللفظَ: (وتَشْرَبُ أَسْآرِي) بالتَّاءِ في (تشْرَبُ) ، وفاعلُهُ: (القَطَا) ، (وأسْآرِي) : مفعولٌ بهِنَّ. وعليهِ فلا (11 / أ) يُحْتَاجُ إلى تأويلٍ، واللَّهُ أعلمُ.
قولُهُ: تَكْبُو لعقْرِهِ، أيْ: تنْكَبُّ على وجْهِها في عَقْرِ البئرِ، أيْ: مَقَامِ الشاربةِ من الحوضِ، أوْ مُؤَخَّرِهِ. ومصدرُ تَكْبُو: الكَبْوُ بالفتحِ والسكونِ، والكُبُوُّ بالضمَّاتِ وتشديدِ الواوِ. والذُّقُونُ، جمعُ ذَقَنٍ بالتحريكِ، وهوَ مُجتمعُ اللَّحْيَيْنِ منْ أسفلِهما، وقدْ تُكْسَرُ قافُهُ، وباعتبارِ ذلكَ جمْعُهُ على (فُعُولٍ) ، وجمْعُهُ باعتبارِ التحريكِ: أذْقَانٌ. والحَوْصَلُ كالحوْصَلَةِ والحَوْصَلاءِ. قالَ في القاموسِ: أسفلُ البطنِ إلى العانةِ منْ كُلِّ شيءٍ، انتهى. وحوصلةُ الطائرِ معلومةٌ تُجْمَعُ على حَوَاصِلَ.
والمعنى: أنَّهُ أدبرَ عنها وتركَها مُنْكَبَّةً على أذْقَانِهَا في محلِّ قيامِ الشاربةِ من الحوضِ أوْ في مُؤَخَّرِهِ، ومُبَاشِرَةً لهُ بأذقانِها وحواصِلِها.
وجُمْلَتَا قوْلِهِ: (تكْبُو لعَقْرِها) ، و (تُبَاشِرُهُ) منصوبانِ على الحالِ من الضميرِ المجرورِ بـ (عنْ) ، أو الثانيَةُ حالٌ منْ فاعلِ (تَكْبُو) . وعلى كُلٍّ من التقديريْنِ: فالجملةُ مفسِّرَةٌ للأولى؛ لأنَّ الكَبْوَ: الانكبابُ على الوجهِ، ولا يُتَصَوَّرُ بدُونِ مُبَاشَرَةِ الأذقانِ والحواصلِ الأرضَ.
39 -كأَنَّ وَغَاهَا حُجْرَتَيْهِ وَجَالَهُ أضَامِيمُ منْ سَفْرِ الْقَبَائِلِ نُزَّلُ
الوَغَى: الصوتُ. والحُجْرَةُ، بضمِّ الحاءِ وسكونِ الجيمِ: ما يُمْسِكُ الماءَ منْ شَفَةِ الحوضِ هنا. والجَالُ، بالجيمِ: جانبُ البئرِ وناحيتُها، كالجُولِ بالضمِّ. والأَضَامِيمُ جمعُ إِضْمَامَةٍ ـ بكسرِ الهمزةِ ـ وهيَ: الجماعةُ من الناسِ، فوَزْنُ أضَامِيمَ إذًا فَعَالِيلُ، والسَّفْرُ جماعةُ المسافرينَ.
يقولُ: كأنَّ أصواتَ القطا الواردةِ الكائنةِ في الموضعَيْنِ اللَّذَيْنِ يُمْسِكَانِ ماءَهُ المُخْرَجَ منْ قعْرِهِ وفي جانبِهِ وناحيتِهِ لفظُ جماعاتٍ كائناتٍ منْ مُسَافِرِي قبائلَ شتَّى في وقتِ النزولِ، ووجهُ الشبهِ: الاختلاطُ، والاختلافُ، وعدمُ التبيينِ معَ التواتُرِ.
قولُهُ: (حُجْرَتَيْهِ) منصوبٌ على الظرفيَّةِ المكانيَّةِ. (وَجَالَهُ) معطوفٌ عليهِ، و (أَضَامِيمُ) على حذفِ مُضَافٍ؛ أيْ: صوتُ أَضَامِيمَ، و (نُزَّلُ) كَـ (مِنْ سَفْرِ القبائلِ) نعتٌ لـ (أَضَامِيمُ) . وفي اعتبارِ الوصفِ الدالِّ على الحدثِ اعتبارٌ لزمانِ حُدوثِهِ؛ فلذلكَ ما قُلْتُ في التقديرِ: وقتَ النُّزُولِ.
40 -تَوَافَيْنَ منْ شتَّى إليهِ فضَمَّهَا كمَا ضمَّ أذْوَادَ الأَصَارِيمِ مَنْهَلُ