الصفحة 12 من 80

لَهُمْ) [1] . ولَوْلاَ أنَّ اللهَ أرادَ مِنْ عبادِهِ عَقْلَ وفَهْمَ ما جاءتْ بِهِ الرُّسلُ لكانَ لسانُ قومِهِ ولسانُ غيْرِهِمْ سواءٌ، ولَمَا حَصَلَ البيانُ الّذي تقومُ بهِ الْحُجَّةُ على الخلْقِ.

وأما قولُهُمْ: إذا خاطَبَنَا عنِ الغائِبِ بشيءٍ وَجَبَ حَمْلُهُ على المعلومِ في الشاهِدِ فجوابُهُ منْ وجهيْنِ:

أحدُهُمَا: أن ما أَخبرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ إنمَا أَخبرَ بهِ مضافًا إلى نفسِهِ المقدَّسةِ فيكونُ لائقًا بهِ لاَ مماثِلًا لمخلوقاتِهِ، ولاَ يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يَفهَمَ منْهُ المماثَلَةَ إلا مَنْ لم يَعْرِف اللهَ تعالى، ولم يُقدِّرْهُ حقَّ قدْرِهِ، ولمْ يَعرفْ مدلولَ الخطابِ الذي يَقتضيهِ السِّياقُ.

الثاني: أنّهُ قد عُلِمَ بضرورةِ العَقْلِ والشرْعِ ما بينَ الخالِقِ والمخلوقِ من التبايُنِ العظيمِ في الذاتِ والوجودِ فكيف يتَصَوَّرُ مؤمنٌ أو عاقلٌ أن يكونَ بينَهما تماثُلٌ في الصفاتِ، فضْلًا عن أن يَعتقِدَ ذلك في اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فَصْلٌ

والقِسمُ الثاني [2] : المعطِّلَةُ وهُم الذينَ أَنكَرُوا ما سَمَّى اللهُ تعالى ووَصَفَ بهِ نفسَهُ إنكارًا كلِّيًًّا، أوْ جزئيًّا، وحرَّفُوا منْ أجْلِ ذلكَ نصوصَ الكتابِ والسّنَّةِ فهمْ محرِّفونَ للنُّصوصِ، معطِّلونَ للصِّفاتِ، وقدِ انقَسَمَ هؤلاءِ إلى أربعِ طوائفَ:

الطائفةُ الأُولى: الأشاعرةُ ومنْ ضاهاهُمْ مِنْ الماتْريديَّةِ وغيرِهم وطريقتُهُمْ أنَّهُمْ أَثْبَتُوا للهِ الأسماءَ، وبعضَ الصِّفاتِ، ونَفَوْا حقائِقَ أكثَرِهَا، ورَدُّوا ما يُمكِنُهُمْ ردُّهُ منَ النُّصُوصِ، وحَرَّفُوا ما لا يُمكِنُهُمْ ردُّهُ، وسَمُّوا ذلكَ التحريفَ"تَأويلًا".

فأَثْبَتُوا للهِ منَ الصِّفاتِ سبْعَ صفاتٍ: الحياةَ، والعلمَ، والقدْرةَ، والإِرادةَ، والكلامَ، والسَّمْعَ، والبصرَ، على خلافٍ بينَهُمْ وبينَ السَّلفِ في كيفيَّةِ إثباتِ بعضِ هذه الصِّفاتِ.

وشُبْهَتُهُمْ فيما ذَهَبوا إليهِ أنَّهمُ اعتَقَدُوا فيمَا نَفُوهُ أنَّ إثباتَهُ يَستلزِمُ التَّشْبيهَ أي التَّمثيلَ. وقالُوا فيمَا أَثبتُوهُ إنَّ العقلَ قدْ دَلَّ عليهِ فإنَّ إيجادَ المخلوقاتِ يَدُلُّ على القُدْرةِ، وتَخصيصَ بعضِهَا بمَا يَخْتَصُّ بِهِ يَدُلُّ على الإِرادةِ، وإِحكامِهَا يَدُلُّ على العِلْمِ، وهذهِ الصِّفاتُ"القُدرَةُ، والإِرادةُ، والعِلْمُ"تَدُلُّ على الحياةِ لأنَّها لا تقومُ إلا بحَيٍّ، والحيُّ إما أنْ يَتَّصِفَ بالكلامِ والسَّمْعِ والبصرِ وهذهِ صفاتُ كمالٍ، أو بضدِّهَا وهُوَ الخَرَسُ والصَّمَمُ والعَمَى وهذه صفاتُ نقْصٍ ممتنِعةٍ على اللهِ تعالى فوجبَ له ثبوتُ الكلامِ، والسَّمْعِ والبصَرِ.

والردُّ عليهمْ منْ وجوهٍ:

(1) سورة إبراهيم، الآية: 4.

(2) أي من الزائغين عن سبيل الرسل وأتباعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت