الصفحة 13 من 80

الأوّلُ: أنَّ الرّجوعَ إلى العقلِ في هذَا البابِ مخالِفٌ لِمَا كانَ عليهِ سلَفُ الأمَّةِ مِنَ الصَّحابةِ، والتابعينَ، وأئمَّةِ الأمَّةِ منْ بعدِهِمْ، فمَا منهُمْ أحدٌ رجَعَ إلى العقْلِ في ذلكَ وإنَّمَا يَرجعونَ إلى الكتابِ والسنَّةِ، فيُثبِتونَ للهِ تعالى منَ الأسماءِ والصِّفاتِ ما أَثْبَتهُ لنفسِهِ، أوْ أَثبَتَهُ لهُ رسلُهُ إثباتًا بلاَ تَمثيلٍ، وتَنزيهًا بلا تعطيلٍ.

قالَ إمامُ أهلِ السنَّةِ أحمدُ بنُ حنبلٍ"نَصِفُ اللهَ بمَا وَصَفَ بهِ نفسَهُ ولا نَتعدَّى القرآنَ والحديثَ".

الثاني: أنَّ الرجوعَ إلى العقلِ في هذَا الباِب مخالِفٌ للعقلِ لأنَّ هذا البابَ منَ الأُمورِ الغَيْبيَّةِ التي ليسَ للعقْلِ فيهَا مجالٌ وإنما تُتَلَقَّى منَ السَّمْعِ فإنَّ العقْلَ لاَ يُمكِنُهُ أنْ يُدرِكَ بالتفصيلِ ما يَجبُ، ويَجوزُ، ويَمتنِعُ في حقِّ اللهِ تعالى فيكونُ تحكيمُ العقْلِ في ذلكَ مخالِفًا للعقْلِ.

الثالثُ: أنَّ الرجوعَ في ذلكَ إلى العقلِ مُسْتَلْزِمٌ للاخْتِلافِ والتناقضِ فإنَّ لكلِّ واحدٍ منهمْ عقْلًا يَرى وجوبَ الرُّجوعِ إليهِ كَما هوَ الواقعُ في هؤلاءِ، فتَجدُ أحدَهُمْ يُثبِتُ ما يَنفيهِ الآخَرُ، وربَّما يَتناقضُ الواحدُ منهمْ فيُثبِتُ في مكانٍ ما يَنفِيهِ، أو يَنْفِي نَظيرَهُ في مكانٍ آخَرَ، فليسَ لهمْ قانونٌ مستقيمٌ يَرجِعونَ إليه.

قالَ المؤلِّفُ رحِمَهُ اللهُ في الفتْوى الحَمَويَّةِ:"فيا ليتَ شِعري بأيِّ عقْلٍ يُوزَنُ الكتابُ والسنَّةُ، فرَضِيَ اللهُ عنِ الإِمامِ مالكِ بنِ أَنَسٍ حيثُ قالَ: أوَكلَّما جاءَنا رجلٌ أَجْدَلُ منْ رجلٍ ترَكْنَا ما جاءَ بهِ جبريلُ إلى محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِجَدَلِ هؤلاءِ" [1] . ومنَ المعلومِ أنَّ تناقُضَ الأقوالِ دليلٌ على فسادِهَا.

الرابعُ: أنهمْ إذَا صرَفُوا النصوصَ عنْ ظاهِرِهَا إلى معنىً زَعَمُوا أنَّ العقلَ يُوجِبُهُ فإنّهُ يَلزَمُهمْ في هذا المعنى نظيرُ مَا يَلْزَمُهُمْ في المعنى الذي نَفَوْهُ معَ ارتكابِهمْ تَحريفَ الكتابِ والسنَّةِ.

مِثالُ ذلكَ: إذَا قالُوا المرادُ بِيَدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ: القوَّةُ دونَ حقيقةِ اليدِ لأنَّ إثباتَ حقيقةِ اليَدِ يَستلزمُ التشبيهَ بالمخلوقِ الذي لهُ يدٌ.

فنقولُ لهمْ: يَلزَمُكم في إثباتِ القوَّةِ نظيرُ ما يَلزمُكُمْ في إثباتِ اليدِ الحقيقيَّةِ، لأنَّ للمخلوقِ قوَّةٌ فإثباتُ القوَّةِ للهِ تعالى يَسْتَلْزِمُ التشبيهَ على قاعدتِكُمْ. ومثالٌ آخَرُ: إِذا قالوا المرادُ بمحبَّةِ اللهِ تعالى إرادةُ ثوابُ المحبوبِ أو الثوابُ نفسِهِ دونَ حقيقةِ المحبَّةِ، لأنَّ إثباتَ حقيقةِ المحبّةِ يَستلزمُ التشبيهَ. فنقولُ له: إذا فسَّرْتُم المحبَّةَ بالإرادةِ لزِمَكُم في إثباتِ الإرادةِ نظيرُ ما يَلزمُكم في إثباتِ المحبَّةِ، لأن للمخلوقِ إرادةً فإثباتُ الإرادةِ للهِ تعالى يَستلزِمُ التشبيهَ على قاعدتِكم، وإذَا فسَّرتموهَا بالثَّوابِ، فالثوابُ مخلوقٌ مفعولٌ لا يقومُ إلا بخالقٍ فاعلٍ، والفاعلُ لا بدَّ لهُ منْ إرادةِ الفعلِ، وإثباتُ الإِرادةُ مسْتلزِمٌ للتشبهِ على قاعدتِكُمْ.

ثم نقولُ: إثباتُكُمْ إرادةَ الثوابِ، أَوِ الثوابَ نفْسَهُ مستلزِمُ لمحبَّةِ العملِ المُثابِ عليْهِ، ولولاَ محبَّةُ العملِ ما أُثيبَ فاعلُهُ فصارَ تأويلُكُمْ مُسْتَلْزِمًا لما نَفَيْتُمْ فإنْ أَثبَتُّمُوهُ على الوجهِ المماثِلِ للمخلوقِ ففي التمثيلِ وَقَعْتُمْ، وإنْ أثْبَتُّمُوهُ على الوجْهِ المختصِّ باللهِ واللائقِ بِهِ أَصَبْتُمْ ولَزِمَكُمْ إثباتُ جميعِ الصِّفاتِ على هذا الوجهِ.

الخامسُ: أنَّ قولَهُمْ فيمَا نَفَوْهُ:"إنَّ إثباتَهُ يَسْتَلْزِمُ التّشبيهَ"ممنوعٌ لأنَّ الاشتراكَ في الأسماءِ والصِّفاتِ، لا يَسْتَلْزِمُ تماثُلَ المُسمَّياتِ والموصوفاتِ كمَا تَقرَّرَ سابقًا، ثمَّ إنَّهُ منقوضٌ بما أَثبتُوهُ منْ صفاتِ اللهِ، فإنَّهُمْ يُثبِتونَ للهِ تعالى الحياةَ، والعلْمَ، والقدْرةَ، والإرادةَ، والكلامَ، والسَّمْعَ، والبَصَرَ، معَ أنَّ المخلوقَ متَّصفٌ بذلكَ فإثباتُهُمْ هذهِ الصِّفاتِ للهِ تعالى معَ اتّصافِ المخلوقِ بهَا مُسْتلزِمٌ للتشبيهِ على قاعدتِهِمْ.

فإنْ قالُوا: إننا نُثبِتُ هذهِ الصِّفاتِ للهِ تعالى على وجْهٍ يَختصُّ بهِ ولاَ يُشْبِهُ ما ثَبَتَ للمخلوقِ مِنْها.

(1) ر 5/ 29 م ف ق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت