فهرس الكتاب
قُلْنَا: هذَا جوابٌ حسنٌ سديدٌ فلماذَا لا تقولونَ بهِ فيمَا نَفَيْتُمُوهُ فتُثبتونَهُ للهِ على وجهٍ يَختصُّ بهِ ولاَ يُشْبِهُ ما ثَبَتَ للمخلوقِ منْهُ؟!
فإنْ قالُوا: مَا أَثبتْناهُ فقدْ دَلَّ العقلُ على ثُبوتِهِ فلَزِمَ إثباتُهُ.
قلْنَا: عنْ هذَا ثلاثةُ أَجْوِبَةٍ:
أحدُهَا: أنَّهُ لا يَصِحُّ الاعتمادُ على العقلِ في هذَا البابِ كما سَبَقَ.
الثاني: أنَّهُ يُمكِنُ إثباتُ ما نَفَيْتُمُوهُ بدليلٍ عقليٍّ يكونُ في بعضِ المواضعِ أَوْضَحَ منْ أَدِلَّتِكُمْ فيمَا أثْبَتُّمُوهُ.
مثالُ ذلكَ: الرحمةُ الّتي أَثْبَتَها اللهُ تعالى لنفسِهِ في قولِهِ (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) [1] . وقولِهِ: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [2] . فإنَّهُ يُمكِنُ إثباتُها بالعقلِ كمَا دلَّ عليْهَا السَّمْعُ.
فَيُقَالُ: الإِحسانُ إلى الخلْقِ بمَا يَنفعُهُمْ ويَدفعُ عنهُمُ الضَّرَرَ يدلُّ على الرَّحمةِ كدَلالةِ التَّخصيصِ على الإِرادةِ بلْ هوَ أبْيَنُ وأَوْضَحُ لظهورِهِ لكلِّ أحَدٍ.
الثَّالثُ: أنْ نقولَ: على فرْضِ أنَّ العقْلَ لاَ يَدُلُّ على ما نَفَيْتُمُوهُ فإنَّ عدمَ دلالِتِه عليْهِ لا يَستلزِمُ انتِفاءَهُ في نفسِ الأمْرِ، لأنَّ انتفاءَ الدَّليلِ المعيَّنِ لا يَستلْزِمُ انتفاءَ المدلولِ، إذْ قدْ يَثْبُتُ بدليلٍ آخَرَ. فإذَا قَدَّرْنَا أنَّ الدَّليلَ العقليَّ لاَ يُثْبِتُهُ فإنَّ الدليلَ السَّمْعِيَّ قدْ أَثْبَتَهُ، وحينئذٍ يَجبُ إثباتُهُ بالدَّليلِ القائِمِ السَّالِمِ عنِ المُعارِضِ المقاوِمِ.
فإنْ قالُوا: بلِ العقلُ يَدُلُّ على انتفاءِ ذلكَ لأنَّ إثباتَهُ يُسْتلزِمُ التّشبيهَ والعقلُ يدلُّ على انتفاءِ التشبيهِ.
قلْنَا: إنْ كانَ إثباتُهُ يَسْتلزِمُ التشبيهَ فإنَّ إثباتَ مَا أَثبَتُّموهُ يَستلزِمُ التشبيهَ أيضًا، فإنْ مَنَعْتُمْ ذلكَ لَزِمَكُمْ منعُهُ فيمَا نَفَيْتُمُوهُ إذْ لاَ فَرْقَ، وحينئذٍ إما أَنْ تقولُوا بالإِثباتِ في الجميعِ فتُوَافِقُوا السَّلَفِ، وإما أنْ تقولُوا بالنَّفْيِ في الجميعِ فتوافِقُوا المعتزِلةَ ومنْ ضاهاهُمْ، وأما التّفْريقُ فتناقُضٌ ظاهِرٌ.
فَصْلٌ
الطائفةُ الثانيةُ: المعتزِلةُ ومنْ تَبِعَهُمْ منْ أهلِ الكلامِ وغيرِهمْ.
وطريقتُهُمْ أنَّهمْ يُثبِتونَ للهِ تعالى الأسماءَ دونَ الصِّفاتِ، ويَجعلونَ الأسماءَ أعلامًا محْضَةً، ثمَّ منهُمْ منْ يقولُ إنَّها مترادِفةٌ فالعليمُ، والقديرُ، السَّميعُ، والبصيرُ شيءٌ واحدٌ، ومنهمْ منْ يقولُ إنَّا متبايِنةٌ ولكنَّهُ عليمٌ بلاَ علْمٍ. قديرٌ بلاَ قدرةٍ، سميعٌ بِلاَ سمْعٍ، بصيرٌ بلاَ بصَرٍ ونحوُ ذلكَ.
وشُبْهَتُهُمْ أنَّهُمُ اعْتَقدُوا أَنَّ إِثباتَ الصِّفاتِ يَسْتلزِمُ التَّشبيهَ لأنَّهُ لا يُوجدُ شيءٌ متَّصِفٌ بالصِّفاتِ إلا جسْمٌ، والأجسامُ متماثِلةٌ، فإثباتُ الصِّفاتِ يَسْتلزِمُ التَّشْبيهَ.
والرَّدُّ عليهمْ منْ وجوهٍ:
(1) سورة الكهف، الآية: 58.
(2) سورة يونس، الآية: 107.