الصفحة 15 من 80

الأوَّلُ: انَّ اللهَ تعالى سَمَّى نفسَهُ بأسماءٍ، ووَصَفَ نفسَهُ بصفاتٍ فإنْ كانَ إثباتُ الصِّفاتِ يَسْتلزِمُ التَّشبيهَ فإثباتُ الأسماءِ كذلكَ، وإنْ كانَ إثباتُ الأسماءِ لاَ يَسْتلزِمُ التَّشبيهَ فإثباتُ الصِّفاتِ كذلكَ، والتَّفريقُ بينَ هذَا وهذَا تَناقُضٌ، فإمَّا أنْ يُثبِتُوا الجميعَ فيُوافِقُوا السَّلَفَ، وإما أنْ يَنْفُوا الجميعَ فيُوافِقُوا غُلاةَ الجَهْمِيَّةِ والباطنيَّةِ، وإما أنْ يُفَرِّقُوا فيَقَعُوا في التَّناقضِ.

الثَّاني: أنَّ اللهَ تعالى وَصَفَ أسماءَهُ بأنَّها حُسْنى، وأَمَرَنَا بدُعائِهِ بِهَا فقالَ: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [1] . وهذَا يَقتضي أنْ تكونَ دالَّةً على معانِي عظيمةٍ تكونُ وسيلةً لنَا في دعائِنا ولاَ يَصِحُّ خُلُوُّها عنْهَا.

ولَوْ كانتْ أعلامًا محضَةً لكانتْ غيرَ دالَّةٍ على معنىً سوى تعيينِ المُسَمَّى، فضْلًا عنْ أنْ تكونَ حُسْنى ووسيلةً في الدِّعاءِ.

الثالثُ: أنَّ اللهَ تعالى أَثبَتَ لنفسِهِ الصِّفاتِ إِجمالًا وتفْصيلًا معَ نفيِ المماثَلةِ فقالَ تعالى: (ولله المثلُ الأعلى) [2] . وقالَ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [3] . وهذَا يدلُّ على أنَّ إثباتَ الصِّفاتِ لا يَسْتلزِمُ التَّمثيلَ ولوْ كانَ يَستلزِمُ التَّمثيلَ لكانَ كلامُ اللهِ متناقِضًا.

الرَّابعُ: إنَّ منْ لاَ يَتَّصِفُ بصفاتِ الكمالِ لاَ يَصْلُحُ أنْ يكونَ ربًّا ولا إلهًا، ولهذَا عابَ إبراهيمُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أباهُ باتِّخاذِهِ مَا لاَ يَسْمعُ ولاَ يُبصِرُ إلهًا فقالَ: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) [4] .

الخَامسُ: أنَّ كلَّ موجودٍ لاَ بُدَّ لَهُ منْ صفةٍ، ولاَ يُمكِنُ وجودُ ذاتٍ مجرَّدةٍ عنِ الصِّفاتِ، وحينئذٍ لاَ بُدَّ أنْ يكونَ الخالِقُ الواجبُ الوجودِ متَّصِفًا بالصِّفاتِ اللاَّئقةِ بهِ.

السَّادسُ: أنَّ القولَ"بأنَّ أسماءَ اللهِ أعلامٌ محْضَةٌ مترادِفةٌ لا تَدلُّ إلا على ذاتِ اللهِ فقط"قولٌ باطلٌ لأنَّ دلالاتِ الكتابِ والسُّنَّةِ مُتظافِرةٌ على أنَّ كلَّ اسمٍ منْها دالٌّ على معناهُ المُخْتَصِّ بهِ معَ اتِّفاقِهَا على مُسمًّى واحدٍ وموصوفٍ واحدٍ فاللهُ تعالى هوَ الحيُّ القيُّومُ، السَّميعُ، البصيرُ، العليمُ، القديرُ، فالمُسَمَّى والموصوفُ واحدٌ، والأسماءُ والصِّفاتُ متعدِّدةٌ. أَلاَ ترى أنَّ اللهَ تعالى يُسَمِّي نَفْسَهُ باسْمَيْنِ أوْ أكثرَ في موضعٍ واحدٍ كقولِه: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) [5] . فَلَوْ كانتِ الأسْماءُ مترادفَةً ترادُفًا مَحْضًا لكانَ ذِكرُهَا مجتَمِعةً لغْوًا منْ القولِ لعدمِ الفائدةِ.

السَّابعُ: أنَّ القولَ"بأنَّ اللهَ تعالى عليمٌ بلا علْمٍ، وقديرٌ بلا قدْرةٍ وسميعٌ بلا سَمْعٍ ونحوُ ذلكَ"قولٌ باطلٌ مخالِفٌ لِمُقتَضى اللِّسانِ العربيِّ وغيرِ العربيِّ فإنَّ منَ المعلومِ في لغاتِ جميعِ العالمِ أنَّ المُشتقَّ دالٌّ على المعنى المشتقِّ منْهُ، وأنَّهُ لاَ يُمكِنُ أن يُقالَ عليمٌ لمنْ لا علْمَ لهُ، ولا قديرٌ لمنْ لاَ قدرةَ لهُ، ولا سميعٌ لمنْ لا سمْعَ لهُ ونحوِ ذلكَ.

وإذَا كانَ كذلكَ تَعيَّنَ أنْ تكونَ أسماءُ اللهِ تعالى دالَّةً على ما تَقتضيهِ منَ الصِّفاتِ اللائقةِ بهِ فيَتعيَّنُ إثباتُ الأسماءِ والصِّفاتِ لخالقِ الأرضِ والسمواتِ.

(1) سورة الأعراف، الآية: 180.

(2) سورة النحل، الآية: 6.

(3) سورة الشورى، الآية: 11.

(4) سورة مريم، الآية: 42.

(5) سورة الحشر، الآية: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت