الصفحة 16 من 80

الثَّامنُ: أنَّ قولَهُمْ:"لاَ يوجدُ شيءٌ متِّصفٌ بالصِّفاتِ إلا جسمٌ"ممنوعٌ فإنَّا نَجِدُ مِنَ الأَشْياءِ ما يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ وليْسَ بجسمْ، فإنَّهُ يُقَالُ: ليلٌ طويلٌ، ونهارٌ قصيرٌ، وبَرْدٌ شديدٌ، وحرٌّ خَفِيفٌ ونحوُ ذلكَ، وليستْ هذه أجسامًا. على أنَّ إضافةَ لفظِ الجسمِ إلى اللهِ تعالى إثباتًا أو نَفْيًا من الطرُقِ البِدْعيَّةِ التي يَتوصَّلُ بها أهلُ التعطيلِ إلى نفيِ الصِّفاتِ التي أَثبَتَها اللهُ لنفسِهِ.

التَّاسعُ: أنَّ قولَهُمْ:"الأجسامُ متماثِلةٌ"باطلٌ ظاهِرُ البُطْلانِ فإنَّ تفاوُتَ الأجسامِ ظاهرٌ لاَ يُمكِنُ إنكارُهُ. قالَ الشَّيْخُ"المؤلِّفُ": ولاَ ريْبَ أنَّ قولَهُمْ بتماثُلِ الأجسامِ قولٌ باطلٌ [1]

فَصْلٌ

الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: غُلاةُ الجَهْمِيَّةِ، والقَرامِطَةُ، والباطنيَّةُ ومَنْ تَبِعَهُمْ.

وطريقَتُهُمْ أنَّهُمْ يُنكرونَ الأسماءَ والصِّفاتِ ولاَ يصِفونَ اللهَ تعالى إلا بالنَّفْيِ المُجرَّدِ عنِ الإِثباتِ ويقولونَ إنَّ اللهَ هوَ الموجودُ المطلَقُ بشرطِ الإِطْلاقِ [2] . فلا يُقالُ هوَ موجودٌ، ولاَ حيٌّ، ولاَ عليمٌ، ولاَ قديرٌ وإنَّمَا هذهِ أسماءٌ لمخلوقاتِهِ أو مَجازٌ، لأنَّ إثباتَ ذلكَ يَسْتلزِمُ تشبيهَهُ بالموجودِ الحيِّ، العليمِ، القديرِ ويقولونَ إنَّ الصِّفةَ عينُ الموصوفِ، وإنَّ كلَّ صفةٍ عينُ الصِّفةِ الأخْرى فلاَ فرْقَ بينَ العِلْمِ، والقدرةِ، والسَّمعِ، والبصرِ ونحوِ ذلكَ.

وشُبْهَتُهُمْ أَنَّهُمُ اعْتقَدُوا أنَّ إثباتَ الأسماءِ والصِّفاتِ يَسْتلزِمُ التَّشْبيهَ والتَّعَدُّدَ ووجهُ ذلكَ في الأسماءِ أنَّهُ إذَا سُمِّيَ بهَا لَزِمَ أنْ يكونَ متَّصِفًا بمَعْنى الاسْمِ فإذَا أثْبَتْنَا"الحيَّ"مثلًا لَزِمَ أنْ يكونَ متًّصِفًا بالحَياةِ لأنَّ صِدْقَ المُشْتَقِّ يَسْتلزِمُ صِدْقَ المشتقِّ منْهُ وذلكَ يَقتضيِ قيامَ الصِّفاتِ بهِ وهُوَ تشْبيهٌ.

وأمّا في الصِّفاتِ فقالُوا إنَّ إثباتَ صفاتٍ متغايرةٍ مغايرةٍ للمَوْصُوفِ يسْتلزمُ التَّعَدُّدَ وهُوَ تركيبٌ ممتنعٌ مناقِضٌ للتَّوْحِيدِ.

والرَّدُّ عليهِمْ منْ وجوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ اللهَ تعالى جمعَ فيمَا سمّى ووصفَ بهِ نفسَهُ بينَ النَّفْيِ والإِثباتِ"وقدْ سبقَ أمثلةٌ منْ ذلكَ"فمنْ أقَرَّ بالنَّفْيِ وأنْكَرَ الإِثباتَ فقدْ آمنَ ببعْضِ الكتابِ دونَ بعضٍ، والكفرُ ببعضِ الكتابِ كفرُ بالكتابِ كلِّهِ. قالَ اللهُ تعالى مُنْكِرًا على بني إسرائيلَ: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [3] . وقالَ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [4] .

الثَّاني: أنَّ الموجودَ المطلقَ بشرطِ الإِطلاقِ لاَ وجودَ لهُ في الخارجِ المحسوسِ وإنَّمَا هُوَ أمرٌ يفرضُهُ الذِّهْنُ ولاَ وجودَ لهُ في الحقيقةِ، فتكونُ حقيقةُ القولِ بهِ نفيَ وجودِ اللهِ تعالى إلاّ في الذِّهْنِ، وهذَا غايةُ التَّعطيلِ والكفر.

(1) ر 3/ 72 م ف ق.

(2) معنى قولِهم بشرْطِ الإِطلاقِ أنه مطْلَقٌ عن أي صِفةٍ ثُبوتيَّةٍ لأن الصفةَ تُقَيِّدُ الموصوفَ.

(3) سورة البقرة، الآية 85.

(4) سورة النساء، الآية: 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت