الصفحة 17 من 80

الثَّالثُ: قولُهُمْ:"إنَّ الصِّفةَ عينُ الموصوفِ، وإنَّ كلَّ صفةٍ عينُ الصِّفَة الأُخْرى"مكابرةٌ في المعقولاتِ، سَفْسَطَةٌ في البَدَهِيَّاتِ، فإنَّ منَ المعلومِ بضرورةِ العقلِ، والحسِّ أنَّ الصِّفَةَ غيرُ الموصوفِ، وأنَّ كلَّ صفةٍ غيرُ الصِّفةِ الأخْرى فالعلمُ غيرُ العالمِ، والقدرةُ غيرُ القادرِ، والكلامُ غيرُ المتكلَّمِ، كَما أنَّ العِلْمَ والقدرةَ، والكلامَ، صفاتٌ متغايرةٌ.

الرَّابعُ: أنَّ وصْفَ اللهِ تعالى بصفاتِ الإِثباتِ أدلُّ على الكمالِ منْ وصْفِهِ بصفاتِ النَّفْيِ، لأنَّ الإِثباتَ أمرٌ وجوديٌّ يقتضي تَنَوُّعَ الكمالاتِ في حقِّهِ، وأمّا النَّفْيُ فأمرٌ عدميٌّ لا يقتضيِ كمالًا إلاّ إذا تضمَّنَ إثباتًا وهؤلاءِ النُّفاةُ لاَ يقولونَ بنفيٍ الإِثباتَ.

الخامسُ: قولهُمْ:"إنَّ إثباتَ صفاتٍ متغايرةٍ مغايرةْ للموصُوفِ يستلزمُ التَّعَدُّدَ .."قولٌ باطلٌ مخالفٌ للمعقولِ، والمحسوسِ فإنَّهُ لا يَلْزَمُ منْ تعدُّدِ الصِّفاتِ تعدُّدُ الموصوفِ فَها هوَ الإِنسانُ الواحدُ يُوْصَفُ بأنَّهُ حيٌّ، سميعٌ بصيرٌ، عاقلٌ، متكلِّمٌ إلى غيرِ ذلكَ منْ صفاتِهِ ولاَ يلزَمُ منْ ذلكَ تعدُّدُ ذاتِهِ.

السَّادسُ: قولُهُمْ:"في الأسماءِ إنَّ إثباتَها يسْتلزِمُ أنْ يكونَ متَّصفًا بمعنى الاسمِ فيقتضي أنْ يكونَ إثباتُها تشبيهًا".

جوابُهُ: أنَّ المعاني الّتي تلزَمُ منْ إثباتِ الأسماءِ صفاتٌ لائقةٌ باللهِ تعالى غيرُ مستحيلةٍ عليْهِ، والمشاركةٌ في الاسمِ، أو الصِّفةِ لا تستلزمُ تماثلَ المسِّمياتِ والموصوفاتِ.

السَّابعُ: قولُهُمْ:"إنَّ الإثباتَ يستلزِمُ تشبيهَهُ بالموجوداتِ".

جوابُهُ: أنَّ النَّفْيَ - الّذي قالُوا بهِ - يستلزِمُ تشبيهَهُ بالمعدوماتِ على قياسِ قولِهِمْ وذلكَ أقْبَحُ منْ تشبيهِهِ بالموجوداتِ وحينئذٍ فإمَّا أن يُقِرُّوا بالإِثباتِ فيوافِقُوا الجماعةَ، وإمَّا أنْ يُنْكِرُوا النَّفْيَ كمَا أنْكرُوا الإِثباتَ فيوافِقُوا غلاةَ الغلاةِ منَ القَرَامِطَةِ والباطنِيَّةِ وغيرِهِمْ، وأمّا التَّفرِيقُ بيْنَ هذَا وهذَا فتناقضٌ ظاهرٌ.

فَصْلٌ

الطائِفَةُ الرَّبِعَةُ: غلاةُ الغلاةِ منَ الفلاسفَةِ، والجهميَّةِ، والقرامطَةِ والباطنيَّةِ وغيرِهِمْ.

وطريقتُهُمْ أنَّهُمْ أنكرُوا في حقِّ اللهِ تعالى الإِثباتَ والنَّفيَ، فنفُوا عنْهُ الوجودَ، والعدمَ والحياةَ، والموتَ، والعِلمَ، والجهلَ ونحوِهَا وقالُوا: إنَّهُ لا موجودٌ ولا معدومٌ، ولا حيٌّ، ولا ميْتٌ، ولا عالِمٌ، ولا جاهِلٌ ونحوِ ذلك.

وشُبْهَتُهُمْ أَنَّهُمُ اعْتقَدُوا أنَّهمْ إنْ وصَفُوهُ بالإِثباتِ شَبَّهوهُ بالموجوداتِ وإنْ وصَفُوهُ بالنَّفيِ شبَّهُوهُ بالمعْدوماتِ.

والرَّدُّ عليهمْ منْ وجوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ تسميةَ اللهِ ووصْفَهُ بِمَا سَمَّى ووَصَفَ بهِ نفسَهُ ليسَ تشْبيهًا ولا يَسْتلزِمُ التَّشْبيهَ، فإنَّ الاشتراكَ في الاسمِ والصِّفةِ لاَ يَستلزِمُ تماثُلَ المُسمَّياتِ والموصوفاتِ، وتسميتُكُمْ ذلكَ تشْبيهًا ليسَ إلا تمويهًا وتلْبيسًا على العامَّةِ والجُهَّالِ ولوْ قَبِلْنَا مثْلَ هذِهِ الدَّعْوى الباطلةِ لأَمكَنَ كلَّ مبْطِلٍ أنْ يُسمِّيَ الشيءَ الحقَّ بأسماءٍ يُنَفِّرُ بها الناسَ عنْ قَبُولِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت