الصفحة 18 من 80

الثاني: أنَّهُ قدْ عُلِمَ بضرورةِ العقلِ والحِسِّ أنَّ الموجودَ الممْكِنَ لا بدَّ لهُ منْ موجِدٍ واجبِ الوجودِ، فإنَّنَا نعْلَمُ حدوثَ المُحْدَثاتِ ونُشاهِدُهَا، ولا يُمكِنُ أنْ تَحدُثَ بدونِ محدِثٍ، ولاَ أنْ تُحْدِثَ نفسَهَا بنفسِهَا لقولِهِ تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [1] . فتَعيَّنَ أنْ يكونَ لها خالقٌ واجبُ الوجودِ وهوَ اللهُ تعالى. ففي الوجودِ إذنْ موجودانِ:

أحدُهُمَا: أزليٌّ واجبُ الوجودِ بنفسِهِ.

الثَّاني: مُحْدَثٌ ممكِنُ الوجودِ، موجودٌ بغيرِهِ، ولا يَلْزَمُ منِ اتِّفاقِهِمَا في مُسمَّى الوُجودِ أنْ يَتَّفِقا في خصائِصِهِ، فإنَّ وُجودَ الواجبِ يَخُصُّهُ، ووجودَ المُحْدَثِ يَخصُّهُ.

فوجودُ الخالقِ واجبٌ أزليٌّ ممتنِعُ الحدوثِ أبديٌّ ممتنِعُ الزَّوالِ، ووجودُ المخلوقِ ممكِنٌ حادِثٌ بعدَ العدَمِ قابلٌ للزَّوالِ، فمنْ لمْ يُثْبِتْ مَا بينَهُمَا مِنَ الاتِّفاقِ والافتراقِ لَزِمَهُ أنْ تكونَ الموجوداتُ كلُّها إما أزليَّةً واجبةَ الوجودِ بنفسِهَا أو مُحْدَثَةً ممكِنةَ الوجودِ بِغيرِهَا وكلاهُمَا معلومُ الفسادِ والاضْطِرارِ [2] .

الثالثُ: أنَّ إنكارَهُمُ الإِثباتَ والنَّفيَ، يَستلزِمُ نفْيَ النَّقيضَيْنِ معًا وهذَا ممتنِعٌ، لأنَّ النَّقيضينِ لا يُمكِنُ اجتماعُهُمَا ولا ارتفاعُهُمَا، بلْ لاَ بدَّ منْ وجودِ أحدِهِمَا وحْدَهُ فيَلزَمُ - على قياسِ قولِهمْ - تشبيهُ اللهِ بالممتنِعاتِ لأنَّهُ يَمتنِعُ أنْ يكونَ الشَّيءُ لاَ موجودًا، ولا مَعْدومًا، ولا حَيًّا، ولا ميِّتًا، إلا أمرًا يُقَدِّرُهُ الذِّهنُ ولاَ حقيقةَ لهُ، وَوَصْفُ اللهِ سبحانَهُ بهذا معَ كوْنِهِ مخالِفًا لبَداهةِ العقولِ كفْرٌ صريحٌ بمَا جاءَ بهِ الرَّسُولُ.

فإنْ قالُوا: نفيُ النَّقيضينِ ممتنِعٌ عما كانَ قابِلًا لهمَا أما مَا كانَ غيرَ قابلٍ لهما كالجمادِ الذي لا يَقبلُ الاتِّصافَ بالسَّمْعِ والصَّمَمِ فإِنَّهُ يُمكِنُ نفيُهُمَا عنْهُ فيُقالُ ليسَ بسميعٍ ولا أصمَّ.

فالجوابُ منْ أربعةِ أوْجُهٍ:

الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ هذَا لا يَصِحُّ فيمَا قالُوهُ منْ نفْيِ الوجودِ والعدَمِ فإنَّ تقابلَهُمَا تقابُلُ سلْبٍ وإيجابٍ باتِّفاقِ العُقلاءِ فإذَا انْتَفى أحدُهُمَا لزِمَ ثبوتُ الآخَرِ، فإذَا قيلَ ليسَ بموجودٍ. لَزِمَ أنْ يكونَ معدُومًا. وإذَا قيلَ: ليسَ بمعدومٍ لَزِمَ أن يكونَ موجودًا، فلاَ يُمكِنُ نفيُهمَا معًا ولاَ إثباتُهمَا معًا.

الوجْهُ الثانِي: أنَّ قولَهُمْ في الجمادِ إنَّهُ لاَ يَقبلُ الاتِّصافَ بالحياةِ، والموتِ، والعَمَى، والبصرِ، والسَّمعِ، والصَّممِ ونحوِها مما يكونُ تقابُلُهُ تقابُلَ عدَمٍ وملَكَةٍ قولٌ اصطلاحيٌّ لاَ يُغَيِّرُ الحقائِقَ مردودٌ بمَا ثَبَتَ منْ جعْلِ الجمادِ حيًّا كمَا جعَلَ اللهُ عصا موسى حيَّةً تلْقَفُ ما صَنَعَهُ السَّحَرَةُ وقدْ وَصَفَ اللهُ تعالى الجمادَ بأنَّهُ مَيِّتٌ في قولِهِ: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [3] . وأَخْبرَ أنَّ الأَرضَ يومَ القيامةِ تُحدِّثُ أخْبارَهَا وهيَ مَا عُمِلَ عليْهَا منْ خَيْرٍ وشرٍّ وهذا يَستلزِمُ سمْعَهَا لمَا قِيلَ ورؤْيَتَهَا لِمَا فَعَلَ.

(1) سورة الطور، الآية: 35.

(2) ر: 6/ 43 م ف ق.

(3) سورة النحل، الآية: 20 - 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت