فهرس الكتاب
والوجْهُ الثّالثُ: أنَّ الذِي يَقبَلُ الاتِّصافَ بالكمالِ أكملُ منَ الذي لاَ يَقبَلُهُ فمَا يَقْبَلُ أنْ يُوصَفَ بالعلْمِ، والقدرةِ، والسَّمْعِ، والبصَرِ ولوْ كانَ خاليًا منهُ أَكمَلُ مما لاَ يَقبلُ ذلكَ، فقولُكُمْ إنَّ الرَّبَّ لاَ يَقْبلُ أنْ يَتَّصِفَ بذلكَ يَستلزِمُ أنْ يكونَ أنْقَصَ مِنَ الإِنسانِ القابلِ لذلكَ حيثُ شبَّهتُموهُ بالجمادِ الّذي لا يَقْبَلُهُ.
الوجْهُ الرّابعُ: أنَّهُ إذَا كانَ يَمتنعُ انتفاءُ الوجودِ والعدمِ فانتفاءُ عدمِ قبولِ ذلكَ أشدُّ، وعلى هذَا يكونُ قولُهُمْ إنَّ الرَّبَّ لا يَقبلُ الاتِّصافَ بالوجودِ والعَدَمِ مُستلزِمًا لتشبيهِهِ بأشدِّ المُمْتَنِعَاتِ.
فَصْلٌ
عُلِمَ ممَّا سبقَ أنَّ كلَّ طائفةٍ منْ هؤلاءِ الطَّوائفِ الأربعِ واقعونَ في محاذيرَ:
الأوَّلُ: مخالَفةُ طريقِ السَّلَفْ.
الثَّاني: تعطيلُ النُّصوصِ عنِ المرادِ بِها.
الثَّالثُ: تحريفُها إلى معانٍ غيرِ مرادةٍ بهَا.
الرَّابعُ: تعطيلُ اللهِ عنْ صفاتِ الكمالِ الَّتي تَضَمَّنَتْهَا هذِهِ النُّصوصُ.
الخامسُ: تَناقُضُ طريقتِهمْ فيمَا أَثبَتوهُ وفيمَا نَفَوْهُ.
فنقولُ لكلِّ واحدٍ منهمْ في جانبِ الإِثباتِ: أَثْبِتْ مَا نَفَيْتَ معَ نفْيِ التَّشبيهِ، كمَا أَثبَتَّ مَا أَثْبَتَّ مع نفيِ التَّشبيهِ.
ونقولُ لهُ في جانبِ النَّفْيِ: انْفِ ما أَثبَتَّ خوْفًا من التَّشْبيهِ، كَما نفيْتَ ما نفيْتَ خوْفًا منَ التَّشْبيهِ وإلا كنتَ متناقِضًا.
والقولُ الفصلُ المطَّردُ السَّالمُ منَ التَّناقُضِ مَا كَانَ عليهِ سلَفُ الأمَّةِ وأئمَّتُهَا منْ إثباتِ ما أَثبَتَهُ اللهُ تعالى لنفْسِهِ منَ الأَسْماءِ والصِّفاتِ، إثْباتًا بلاَ تمثيلٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، وإجراءَ النُّصوصِ على ظاهرِهَا على الوجهِ اللاَّئقِ باللهِ عزَّ وجلَّ منْ غيرِ تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ.
ويَتبيَّنُ هذَا بأصْلَيْنِ، ومَثَلَيْنِ، وخَاتِمةٍ:
فأما الأصْلانِ:
فأحدُهُمَا: أنْ يُقالَ لمنْ يُثبِتُ بعضَ الصِّفاتِ دونَ بعضٍ:
القولُ في بعضِ الصِّفاتِ كالقولِ في بعضٍ"."
أيْ أنَّ مَنْ أَثبَتَ شيئًا ممَّا أَثبَتَهُ اللهُ لنفسِهِ مِنَ الصِّفاتِ أُلْزِمَ بإثْبَاتِ الباقِي، ومنْ نَفَى شيئًا منْهُ أُلْزِمَ بنفيِ ما أثبَتَه وإلا كانَ متناقِضًا.
مثالُ ذلكَ: إذَا كانَ المخاطَبُ يُثبِتُ للهِ تعالى حقيقةَ الإِرادةِ، ويَنفي حقيقةَ الغضَبِ ويُفَسِّرُهُ: إما بإرادةِ الانتقامِ، وإما بالانتقامِ نفسِهِ.
فيُقالُ لهُ: لا فرْقَ بينَ ما أثبتَّهُ منْ حقيقةِ الغضَبِ، فإنْ كانَ إثباتُ حقيقةِ الغضبِ يَستلزِمُ التَّمثيلَ، فإثباتُ حقيقةِ الإِرادةِ يَستلزِمُهُ أيضًا.