الصفحة 20 من 80

وإنْ كانَ إثباتُ حقيقةِ الإِرادةِ لاَ يَستلزِمُهُ، فإثباتُ الغضبِ لاَ يَستلزِمُهُ أيضًا، لأنَّ القولَ في أحدِهِمَا كالقولِ في الآخَرِ، وعلى هذا يَلْزَمُكَ إثباتُ الجميعِ، أو نفيُ الجميعِ.

فإنْ قالَ: الإِرادةُ الَّتي أثْبَتُّهَا لا تَستلزِمُ التَّمثيلَ، لأنَّني أَعْنِي بهَا إرادةً تَلِيقُ باللهِ عزَّ وجلَّ لا تُماثِلُ إرادةَ المخلوقِ.

قيلَ لهُ: فأَثْبِتْ للهِ غَضَبًا يَليقُ بهِ ولاَ يُماثِلُ غَضَبَ المخلوقِ.

فإنْ قالَ: الغضبُ غَلَيَانُ دمِ القلبِ لطَلَبِ الانتقامِ وهذَا لاَ يَليقُ باللهِ تعالى.

قيلَ له: والإرادةُ مَيْلُ النفْسِ إلي جَلْبِ منفعةٍ أو دفْعِ مَضرَّةٍ وهذا لا يَليقُ باللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي.

فإنْ قالَ: هذهِ إرادةُ المخلوقِ، وأمَّا إرادةُ اللهِ فتَليقُ بِهِ.

قيلَ لَهُ: والغضبُ بالمعنى الَّذي قلتَ غضبُ المخلوقِ، وأما غضَبُ اللهِ فيَليقُ بهِ، وهكذا القولُ في جميع الصِّفاتِ الَّتي نفاهَا يُقالُ لهُ فيهَا مَا يقولُهُ هُوَ فيمَا أَثبَتَهُ.

فإنْ قالَ: أُثْبِتُ ما أُثْبِتُهُ مِنَ الصِّفاتِ بدَلالةِ العَقْلِ عليْهِ.

أَجَبْنَا عنْهُ بثلاثةِ أجوبةٍ سَبقَ ذِكرُها آخِرَ الرَّدِّ على الطَّائِفةِ الأُولى.

الأصلُ الثاني: أنْ يُقالَ لِمَنْ يُقِرُّ بذاتِ الله تعالى بلا تمثيلٍ ويُمَثِّلُ في صِفاتِهِ أوْ يَنْفِيهَا.

القولُ فِي الصِّفاتِ كالقولِ في الذَّاتِ.

يعْنِي أنَّ مَنْ أَثْبَتَ للهِ تعالى ذاتًا لا تُماثِلُ ذواتِ المخلوقينَ لَزِمَهُ أنْ يُثْبِتَ لَهُ صفاتٍ لا تُماثِلُ صفاتِ المخلوقينَ، لأنَّ القولَ في الصِّفاتِ كالقولِ في الذَّاتِ، وهذا الأصْلُ يُخاطَبُ بهِ أهلُ التَّمثيلِ، وأهلُ التَّعْطِيلِ منَ المعتزلةِ ونحوِهمْ.

فَيُقَالُ لأهلِ التَّمثِيلِ ألسْتُمْ تُثْبِتُونَ للهِ ذاتًا بلاَ تمثيلٍ فأَثْبِتُوا لَهُ صفاتٍ بلا تمثيلٍ.

ويُقالُ لأهلِ التَّعطيلِ منَ المعتزِلةِ ونحوِهم: أَلَستُمْ تقولونَ بوجودِ ذاتٍ لا تُشبِهُ الذَّواتِ فكذلكَ قولُوا بصفاتٍ لا تُشْبِهُ الصِّفاتِ.

مثالُ ذلكَ: إذَا قالَ: إنَّ اللهَ اسْتَوى على العرْشِ فكيفَ استواؤُهُ؟

فيقالُ لَهُ: القولُ في الصِّفاتِ كالقولِ في الذَّاتِ فأَخْبِرْنَا كيفَ ذاتُهُ؟

فإنْ قالَ: لا أعْلَمُ كيفيَّةَ ذاتِهِ.

قيلَ لهُ: ونحنُ لا نَعْلَمُ كيفيَّةَ استوائِهِ.

وحينَئِذٍ يَلزَمُهُ أنْ يُقِرَّ باستواءٍ حقيقيٍّ غيرِ مماثلٍ لاستواءِ المخلوقينَ ولاَ معلومِ الكيفيَّةِ، كما أَقَرَّ بذاتٍ حقيقيَّةٍ غيرِ مماثِلةٍ لذواتِ المخلوقينَ ولاَ معلومةِ الكيفيَّةِ، كما قالَ مالكٌ وشيخُهُ ربيعةُ وغيرُهُمَا في الاستواءِ:"الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإِيَمانُ بِهِ وَاجِبٌ، والسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ" [1]

فقولُهُ:"الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ"أي معلومُ المَعْنى في اللغَةِ العربيَّةِ الَّتي نَزَلَ بهَا القُرآنُ ولَهُ معانٍ بحسْبِ إطلاقِهِ وتقييدِهِ بالحرفِ فإذَا قُيِّدَ بـ (على) كانَ معناهُ العُلُوَّ والاسْتقرارَ كما قالَ تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) [2] . وقالَ: (لِتَسْتَوُوا

(1) نقله المؤلف رحمه الله بالمعنى. والمحفوظ من لفظهما: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول. والخطب في ذلك سهل.

(2) سورة المؤمنين، الآية: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت