فهرس الكتاب
عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) [1] . فاستواءُ اللهِ تعالى على عرْشِهِ عُلُوُّهُ عليْهِ علُوًّا خَاصًّا يَلِيقُ بهِ، على كيفيَّةٍ لاَ نَعْلَمُهَا، وليسَ هُوَ العُلُوَّ المطلَقَ على سائرِ المخلوقاتِ.
وقولُهُ:"والكَيْفُ مَجْهُولٌ"أيْ أنَّ كيْفِيَّةَ استواءِ اللهِ على عرشِهِ مجهولةٌ لنَا وذلكَ لوجوهٍ ثلاثةٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللهَ أَخْبَرَنَا أنَّهُ استَوى على عرشِهِ ولمْ يُخبِرْنَا كيفَ اسْتَوى.
الثاني: أنَّ العِلْمَ بكيفيَّةِ الصِّفَةِ فرْعٌ عنِ العِلْمِ بكيفيَّةِ الموصوفِ وهوَ الذَّاتُ، فإذَا كُنا لا نَعلَمُ كيفيَّةَ ذاتِ اللهِ فكذلكَ لاَ نَعلَمُ كيفيَّةَ صفاتِهِ.
الثَّالثُ: أنَّ الشَّيْءَ لا تُعْلَمُ كيفيَّتُهُ إلاّ بمشاهَدَتِهِ، أو مشاهدَةِ نظيرِهِ أو الخبرِ الصَّادِقِ عنْهُ، وكلُّ ذلكَ مُنْتَفٍ في استواءِ اللهِ - عزَّ وجلَّ - على عرشِهِ وهذَا يَدُلُّ على أنَّ السَّلَفَ يُثبتُونَ للاستواءِ كيفيَّةً لكنَّهَا مجهولَةٌ لنَا.
وقولُهُ:"والإِيمانُ بِهِ وَاجِبٌ"أيْ أنَّ الإِيمانَ بالاستواءِ على هذَا الوجْهِ واجبٌ، لأنَّ اللهَ تعالى أَخْبرَ بهِ عنْ نفسهِ، وهوَ أَعلَمُ بنفسِهِ، وأَصدَقُ قَوْلًا وأحسَنُ حديثًا، فاجْتَمَعَ في خبرِهِ كمالُ العِلْمِ، وكمالُ الصِّدْقِ، وكمالُ الإِرادةِ وكمالُ الفصاحةِ والبيانِ فوَجَبَ قَبولُهُ والإِيمانُ بهِ.
وقولُهُ:"وَالسُّؤَالُ عَنْهُ"أيْ عَنْ كيفيَّتِهِ بِدْعَةٌ؛ لأنَّ السُّؤَالَ عنْهَا لَمْ يُعْرَفْ في عَهْدِ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولاَ خلفائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَهُوَ مِنَ الأُمورِ الدِّينيَّةِ فكانَ إيرادُهُ بِدْعَةً، ولأنَّ السُّؤالَ عَنْ مِثْلِ ذلكَ مِنْ سِماتِ أهلِ البِدَعِ، ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ عنْهُ ممَّا لاَ تُمْكِنُ الإِجَابَةُ عليْهِ فَهُوَ مِنَ التَّنَطُّعِ في الدِّينِ وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ".
وهذَا القَوْلُ الَّذي قالَهُ مالكٌ وشيخُهُ يُقالُ في صِفَةِ نُزُولِ اللهِ تعالى إلى السَّماءِ الدُّنْيَا وغيرِهِ منَ الصِّفاتِ: إنَّهَا مَعْلُومةُ المعْنى، مجهولةُ الكيْفيَّةِ، وإنَّ الإِيمانَ بهَا على الوجْهِ المرادِ بهَا واجبٌ، والسُّؤالُ عنْ كيفيَّتِهَا بِدْعَةٌ.
فَصْلٌ
وأمَّا المَثَلاَنِ:
فَأَحَدُهُمَا: نعيمُ الجَنَّةِ فقدْ أَخْبرَ اللهُ تعالى أنَّ في الجنَّةِ طعامًا، وشرابًا ولِباسًا، وزوجاتٍ، ومساكِنَ، ونَخْلًا، ورُمَّانًا، وفاكهةً، ولَحْمًا، وخَمْرًا، ولَبَنًا، وعسلًا، وماءً، وحِلْيَةً منْ ذهبٍ ولؤلؤٍ وفضةٍ وغيرِ ذلكَ، وكلُّه حَقٌّ على حقيقتِهِ، وهوَ في الاسمِ موافقٌ لمَا في الدُّنْيَا مِنْ حيثِ المعْنى لكنَّهُ مخالِفٌ لهُ في الحقيقةِ.
أمَّا موافقتُهُ لما في الدُّنْيَا في المعْنى فلأنَّ اللهَ تعالى قالَ عنِ القُرآنِ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [2] . ولولاَ موافقتُهُ لهُ في المعْنى مَا فَهِمناهُ ولاَ عَقِلْنَاهُ.
وأمَّا مخالَفتُهُ لَهُ في الحقيقةِ فلقولِهِ تعالى: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [3] . وقولِهِ في الحديثِ القُدُسِيِّ:"أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عينٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ولاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ". قالَ ابنُ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا:"لَيْسَ في الدُّنْيَا شَيْءٌ مِمَّا في الجَنَّةِ إِلاّ الأَسْمَاءَ".
(1) سورة الزخرف، الآية: 13.
(2) سورة الزخرف، الآية: 3.
(3) سورة السجدة، الآية: 17.