فهرس الكتاب
فإذَا كانتْ هذهِ الأسماءُ دالَّةً على مسمَّياتِهَا حقيقةً وكانَ اتِّفاقُهَا مَعَ مَا في الدُّنْيَا مِنَ الأَسْماءِ لاَ يَسْتلزِمُ اتِّفاقَ المُسَمَّيَاتِ في الحقيقةِ بلْ بينَهُما مِنَ التَّبَايُنِ مَا لاَ يعْلَمُهُ إلا اللهُ، فإنَّ مبايَنةَ الخالقِ للمخلوقِ أعظَمُ وأظْهَرُ منْ مبايَنةِ المخْلوقِ للمخلوقِ، لأنَّ التَّبايُنَ بينَ المخلوقاتِ تباينٌ بينَ مخلوقٍ ومخلوقٍ مثلِهِ فإذَا ظهَرَ التَّبايُنُ بينَهَا كانَ بينَهَا وبينَ الخالِقِ أظهَرَ وأَوْلى.
وقدِ انْقَسَمَ النَّاسُ في هذَا المقامِ - مقامِ الإِيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ - إلى ثلاثِ فِرَقٍ:
الفِرْقَةُ الأُولى: السَّلَفُ والأئمَّةُ وأَتباعُهُمْ آمَنُوا بمَا أَخبرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ، وعنِ اليومِ الآخِرِ، وأنَّهُ حقٌّ على حقيقتِهِ مَعَ اعْتِقادِهِمُ التَّبايُنَ بيْنَ مَا في الدُّنْيَا ومَا في الآخرةِ، وأنَّ التَّبايُنَ بينَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ أَوْلى وأعظَمُ وأَبْيَنُ لقولِهِ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [1] .
الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: طوائفُ منْ أهلِ الكلامِ يؤمنونَ بمَا أخْبَرَ اللهُ بهِ عنِ اليومِ الآخِرِ منَ الثَّوابِ والعقابِ، ويَنفونَ كثيرًا مِمَّا أخْبَرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ منَ الصِّفاتِ.
الفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: القَرَامِطَةُ، والباطنيَّةُ، والفلاسفَةُ لاَ يؤمنونَ بما أَخبرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ، ولاَ عنِ اليومِ الآخِرِ بلْ يُنكِرونَ حقائقَ هذَا وهذَا.
فمذهبُهُمْ فيمَا أَخبَرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ وعنِ اليومِ الآخرِ أنَّهُ تَخْيِيلٌ لاَ حقيقَةَ لهُ.
وأمَّا في الأمْرِ والنَّهيِ فكثيرٌ منهمْ يَجعلونَ للمأموراتِ والمنهيَّاتِ تأويلاتٍ باطنةً تُخالِفُ ما يَعْرِفهُ المسلمونَ منهَا فيقولونَ: المرادُ بالصَّلواتِ معرفةُ أسرارِهمْ، وبالصِّيامِ كِتمانُ أسرارِهمْ، وبالحجِّ السَّفرُ إلى شيوخِهمْ، ونحوُ ذلكَ ممَّا يُعْلَمُ بالضَّرورةِ منْ دِينِ الإِسلامِ أنَّهُ كَذِبٌ وافتراءٌ وكفْرٌ وإلحادٌ.
وقدْ يقولونٍَ إنَّ الشرائِعَ تَلْزَمُ العامَّةَ دونَ الخاصَّةَ، فإذَا وَصَلَ الرَّجُلُ إلى درجةِ العارفينَ والمحقِّقينَ عندَهمُ ارتَفَعَتْ عَنْهُ التَّكاليفُ فسَقَطَتْ عنهُ الواجباتُ وحَلَّتْ لهُ المحظوراتُ.
وقدْ يُوجَدُ في المنتسبينَ إلى التَّصَوُّفِ والسُّلوكِ منْ يَدخُلُ في بعضِ هذِهِ المذاهِبِ.
وهؤلاءِ الباطنيَّةُ همُ الملاحدَةُ الَّذينَ أَجمَعَ المسلمونَ على أنَّهمْ أكفرُ منَ اليهودِ والنَّصارى لعِظَمِ إلحادِهِمْ ومخالَفتِهِمْ لجميعِ الشَّرائعِ الإِلهيَّةِ.
المَثَلُ الثاني: الرُّوحُ الَّتي بِهَا الحياةُ وهيَ أقربُ شيْءٍ إلى الإِنسانِ، بلْ هيَ قِوامُ الإِنسانِ وقدْ وُصِفَتْ في النُّصوصِ بأنَّهَا تُقْبَضُ منَ البَدَنِ، ويُصْعَدُ بهَا إلى السَّماءِ، وتُعَادُ إلى البَدَنِ، ولا يُنْكِرُ أحدٌ وجودَهَا حقيقةً، وقدْ عَجَزَ النَّاسُ عنْ إدراكِ كُنْهِهَا وحقيقَتِهَا إلاَّ ما عَلِموهُ عنْ طريقِ الوَحْيِ، واضْطَّرَبُوا فيهَا اضْطِرابًا كثيرًا لكونِهمْ لاَ يُشاهدونَ لها نَظيرًا.
فمنْهُمْ طوائفُ منْ أهلِ الكلامِ جَعَلوهَا البَدَنَ، أو جُزْءًا منْهُ، أوْ صفةً منْ صفاتِهِ.
ومنْهُمْ طوائفُ منْ أهلِ الفلسفةِ وَصَفُوهَا بأمورٍ لا يَتَّصفُ بهَا إلا ممتنِعُ الوجودِ فقالُوا: لا هيَ داخلَ البدنِ ولاَ خارجَهُ، ولاَ مداخِلةً لهُ ولاَ مباينةً ولاَ متحرِّكةً ولا ساكنةً، ولا تَصْعَدُ ولاَ تهبِطُ، ولا هيَ جسمٌ ولا عَرَضٌ. وقدْ يقولونَ إنَّها لاَ داخلَ العالَمِ ولا خارجَهُ، ولا مباينةً لهُ ولاَ مداخلةً، كمَا يَصِفُونَ بذلكَ الخالقَ الواجبَ الوجودِ.
فإذَا قيلَ لهمْ: إثباتُ هذَا القولِ ممتنِعٌ في العقلِ ضرورةً، قالُوا: هذَا ممكِنٌ، بدليلِ أنَّ الكلِّياتِ ممكِنةٌ موجودةٌ وهيَ غيرُ مشارٍ إليهَا. وقدْ غفِلُوا عنْ كونِ الكلِّياتِ لا تُوْجَدُ كلِّيةً إلا في الأذهانِ لاَ في الأعْيانِ، فإنَّ الذِّهنَ يَفرِضُ أشياءً في الخيالِ لاَ يُمكِنُ وجودُها في الخارجِ كأنْ يَتخيَّلَ ارتفاعَ النَّقيضَيْنِ أوِ اجتماعَهُمَا معَ أنَّ هذَا ممتنِعٌ.
(1) سورة الشورى، الآية: 11.