الصفحة 23 من 80

واعلَمْ أنَّ اضطِرابَ المتكلِّمينَ والفلاسفةِ في الرُّوحِ كثيرٌ ولَهُ سَبَبَانِ:

أحدُهُمَا: قلَّةُ بِضاعتِهمْ ممَّا جاءَ بهِ الوحيُ في صفاتِهَا.

والثاَني: أنَّهُمْ لاَ يُشاهِدونَ لهَا نظيرًا، فإنَّ الرُّوحَ ليستْ منْ جنْسِ هذَا البدَنِ، ولاَ منْ جنسِ العناصرِ والمولَّداتِ منهَا، وإنِّمَا هيَ منْ جنسٍ آخَرَ مخالِفٍ لهذهِ الأجناسِ فعرَّفَها الفَلاسفةُ بالسُّلوبِ التي تُوجِبُ مخالفتَهَا للأجسامِ المشهودةِ، وجَعَلَها المُتَكَلِّمُونَ منْ جنسِ الأجسامِ المشهودةِ فطريقُ الفلاسفةِ فيهَا تعطيلٌ وطريقُ المتكلِّمينَ فيهَا تمثيلٌ. وكِلاَ الطَّريقيْنِ خطأٌ.

وقدْ صَحَّ عنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَتِ اتَّبَعَهَا البصرُ وأنَّ الملائكةَ تَجْعَلُهَا في كفنٍ وتَصعَدُ بهَا إلى السَّماءِ ومعَ هذَا فالعُقولُ قاصرةٌ عنْ إدراكِ كُنْهِهَا وحقيقتِهَا كمَا قالَ تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَ قَلِيلًا) [1] .

فإذَا كانت الرُّوحُ حقيقةً، واتِّصافُهَا بمَا وُصِفَتْ بهِ في الكتابِ والسُّنَّةِ حقيقةً معَ أنَّها لا تُماثِلُ الأجسامَ المشهودةَ والناسُ عاجزون عن إدراكِ حقيقتِها وكُنْهِها. كانَ اتِّصافُ الخالقِ بمَا يَستَحِقُّهُ منْ صفاتِ الكمالِ معَ مباينَتِهِ للمخلوقاتِ منْ بابِ أَوْلى، وكانَ عجْزُ أهلِ العقولِ عنْ أنْ يَحُدُّوا اللهَ أوْ يُكَيِّفُوهُ أبْيَنُ منْ عجزِهِمْ عنْ حدِّ الرُّوحِ وتكْييفِهَا.

وإذَا كانَ منْ نَفَى صفاتِ الرُّوحِ جاحدًا معطِّلًا، ومنْ مثَّلَهَا بمَا يُشاهِدُ من المخْلوقاتِ جاهِلًا بها ممثِّلًا، فالخَالقُ سبحانَهُ أَوْلى أنْ يكونَ مَنْ نَفَى صفاتِهِ جاحِدًا معطِّلًا، ومَنْ قاسَهُ بخلْقِهِ جاهِلًا بهِ ممثِّلًا.

الخَاتِمَةُ

هذهِ الخاتِمةُ تَشتملُ على قواعِدَ عظيمةٍ مُفيدةٍ:

القاعدةُ الأُولى: أنَّ اللهَ تعالى موصوفٌ بالنَّفْيِ والإِثْباتِ

يعني أنَّ اللهَ تعالى جَمَعَ فيمَا وَصَفَ بهِ نفسَهُ بينَ النَّفيِ والإثباتِ كَما قالَ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [2] . وإنَّمَا جَمَعَ اللهُ تعالى لنفسِهِ بينَ النَّفيِ والإِثباتِ لأنَّهُ لاَ يَتِمُّ كمالُ الموصوفِ إلاّ بنفيِ صفاتِ النَّقصِ، وإثباتِ صفاتِ الكمالِ، وكلُّ الصِّفاتِ الَّتي نفاهَا اللهُ عنْ نفسِهِ صفاتُ نقْصٍ كالإعياءِ، واللُّغوبِ، والعَجْزِ، والظُّلْمِ، ومماثَلَةِ المخلوقينَ.

وكلُّ مَا أَثبتَهُ اللهُ تعالى لنفسِهِ فهوَ صفاتُ كمَالٍ كمَا قالَ اللهُ تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [3] . سواءٌ كانتْ مِنَ الصِّفاتِ الذَّاتيَّةِ التي يَتَّصِفُ بهَا أَزَلًا وَأَبَدًا، أمْ مِنَ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ الَّتي يَتَّصِفُ بهَا حيثُ تَقْتضِيهَا حكْمتُهُ، وإنْ كانَ أصلُ هذهِ الصِّفاتِ الفعليَّةِ ثابتًا لهُ أَزَلًا وأَبَدًا فإنَّ اللهَ تعالى لم يَزَلْ ولا يزالُ فَعَّالًا لما يُريدُ.

فَصْلٌ

(1) سورة الإِسراءِ، الآية: 85.

(2) سورة الشورى، الآية: 11.

(3) سورة النحل، الآية: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت