فهرس الكتاب
الثَّاني: أنَّ النَّفْيَ المحضَ عدَمٌ محْضٌ، والعدَمُ المحْضُ ليْسَ بشيءٍ، ومَا ليسَ بشيْءٍ فكيفَ يكونُ مدْحًا وكمالًا.
الثَّالِثُ: أنَّ النَّفْيَ - إنْ لمْ يَتضَمَّنْ كَمالًا - فقدْ يكونُ لعدمِ قابليَّةِ الموصوفِ لذلكَ المنفيِّ أوْ ضدِّهِ، لا لكمالِ الموصوفِ كمَا إذَا قيلَ:"الجدارُ لا يَظْلِمُ"فنفْيُ الظُّلمِ عنِ الجدارِ ليسَ لكمالِ الجدارِ، ولكنْ لعدمِ قابليَّةِ اتِّصافِهِ بالظُّلْمِ أو العدلِ، وحينئذٍ لاَ يكونُ نفيُ الظُّلْمِ عنْهُ مدْحًا لهُ ولاَ كمالًا فيهِ.
الرَّابعُ: أنَّ النَّفْيَ - إنْ لمْ يَتضمَّنْ كمالًا - فقدْ يكونُ لنقْصِ الموصوفِ لعَجْزِهِ عنْهُ كمَا لوْ قيلَ عنْ شخصٍ عاجزٍ عنِ الانتصارِ لنفسِهِ ممَّنْ ظَلَمَهُ:"إنَّهُ لا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئةِ"فإنَّ نفيَ مجازاتِهِ السَّيِّئَةَ بمثلِها ليسَ لكمالِ عفوِهِ ولكنْ لعجزِهِ عنِ الانتصارِ لنفسِهِ وحينئذٍ يكونُ نفيُ ذلكَ عنْهُ نقْصًا وذمًّا لاَ كمالًا ومدْحًا.
ألمْ تَرَ قولَ الحماسيِّ يَهْجُو قوْمَهُ:
لوْ كنتُ منْ مَازنٍ لمْ تَسْتَبِحْ إبِلي ... بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَا
إلى أنْ قالَ:
لكنَّ قومِي وإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ ... لَيْسُوا منَ الشَّرِّ في شيْءٍ وإنْ هانَا
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مغفرةً ... ومنْ إساءَةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسَانًا
يريدُ بذلكَ ذمَّهُمْ ووصفَهُمْ بالعجْزِ لاَ مدْحَهُمْ بكمالِ العفوِ بدليلِ قولِهِ بعدُ:
فليْتَ لي بِهِمُو قومًا إذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإِغارةَ ركْبَانًا وفرْسَانًا
وبهذَا عُلِمَ أنَّ الَّذينَ لاَ يَصفُونَ اللهَ تعالى إلاّ بالنَّفْيِ المحضِ لم يُثْبِتُوا في الحقيقةِ إلهًا محمُودًا بلْ ولاَ موجودًا كقولِهمْ في اللهِ عزَّ وجلَّ"إنَّهُ ليْسَ بداخلِ العالمِ، ولا خارجِهِ، ولا مبايِنٍ، ولاَ مُحَايِثٍ [1] ، ولا فوْقَ، ولاَ تحتَ، ولا متَّصِلٍ، ولا منفصلٍ". ونحوِ ذلكَ.
ولهذَا قالَ محمودُ بنُ سبكتكين [2] لِمَنِ ادَّعى ذلكَ في الخالقِ جلَّ وعلاَ [3] :"ميِّزْ لنَا بيْنَ هذا الرَّبِّ الّذِي تُثْبِتُهُ وَبَيْنَ المَعْدُومِ". وَلَقَدْ صَدَقَ - رحِمهُ اللهُ - فإنَّهُ لنْ يُوصَفَ المعدومُ بوصْفٍ أبلَغَ منْ هذَا الوصْفِ الذِي وَصَفُوا بهِ الخالقَ جلَّ وعلاَ.
(1) المحايث: المداخل. ر 5/ 269 مجموع الفتاوى لابن القاسم.
(2) محمود بن سبكتكين أحد كبار القادة يمين الدولة وأمين الملة استولى على الإمارة سنة 389 وأرسل إليه القادر بالله الخليفة العباسي خلعة السلطنة فقصد بلاد خراسان وامتدت سلطنته من أقاصي الهند إلى نيسابور كان تركي الأصل فصيحا؟ ً بليغًا حازمًا صائب الرأي شجاعًا مجاهدًا فتح في بلاد الكفار من الهند فتوحات هائلة لم تتفق لغيره من الملوك لا قبله ولا بعده ومع ذلك كان في غاية الديانة والصيانة يكره المعاصي والملاهي وأهلها ويحب العلماء والصالحين ويجالسهم ويناظرهم مات في غزنة سنة 421 - 422 هـ عن ثلاث وستين سنة تولى الإمارة فيها ثلاثًا وثلاثين سنة رحمه الله وأكرم مثواه.
(3) هو أبو بكر بن فورك المتكلم المعروف.