الصفحة 28 من 80

وهكذَا خبرُ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صادرٌ عنْ علْمٍ فإنَّهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعلمُ النَّاسِ بربِّهِ، وأسمائِهِ، وصفاتِهِ، وأحكامِهِ.

وخبرُهُ أَصدقُ أخبارِ البشَرِ، وكلامُهُ أَفْصَحُ كلامِ البشرِ، وقصْدُهُ أَفضلُ مقصودِ البشرِ، فهوَ أنصحُ الخلقِ للخلقِ.

فقدِ اجْتَمعَ في خبرِ اللهِ تعالى وخبرِ رسولهِ كمالُ العلْمِ، وكمالُ الصِّدقِ وكمالُ البيانِ، وكمالُ القصْدِ والإِرادةِ، وهذه هيَ مقوِّماتُ قَبولِ الخبرِ ولهذَا لو صَدرَ الخبرُ عنْ جاهلٍ أو كاذبٍ، أو عَيِيٍّ، أو سيِّئِ قصْدٍ لمْ يكنْ مقبولًا لفَقْدِ مقوِّماتِ القَبولِ أوْ أَحدِهَا.

فإذَا كانتْ مقوِّماتُ قَبولِ الخبرِ تامَّةً على أكمَلِ وجهٍ في خبرِ اللهِ ورسولِهِ وَجَبَ الإِيمانُ بهِ، وقَبولُهُ سواءٌ كانَ نفْيًا، أمْ إثباتًا، ولمْ يَبقَ عذْرٌ لمعتذِرٍ في ردِّهِ، أو تحريفِهِ، أو الشكِّ في مدلولهِ، لا سيِّما في أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ.

وكذلكَ ما ثَبَتَ باتِّفاقِ سلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِهَا وَجَبَ قَبولُهُ وعامَّةُ هذَا البابِ"بابُ الأسماءِ والصِّفاتِ"منصوصٌ عليهِ في الكتابِ والسُّنَّةِ متَّفَقٌ عليهِ بينَ سلَفِ الأمَّةِ.

وأمَّا ما تَنازَعَ فيهِ المتأخِّرونَ مما ليسَ في الكتابِ والسُّنَّةِ ولاَ عندَ سلَفِ الأمَّةِ فليسَ على أحدٍ، بلْ وليسَ لأحدٍ أنْ يُثْبِتَ لفظَهُ، أوْ ينْفِيَهُ لعدمِ وُرودِ السَّمعِ بهِ، وليسَ لهُ أنْ يَقبلَ معناهُ أو يَرُدَّهُ حتّى يَعلَمَ المرادَ منْهُ فإنْ كانَ حقًّا وَجَبَ قَبولُهُ وإنْ كانَ باطلًا وَجَبَ رَدُّهُ.

ولذلكَ أَمْثِلةٌ، منْهَا:

المثالُ الأوَّلُ: الجِهَةُ:

أيْ لوْ قالَ قائلٌ: إنَّ اللهَ في جهةٍ، أوْ هلْ للهِ جِهةٌ؟

فيُقالُ لهُ: لفظُ"الْجِهةِ"ليسَ في الكتابِ والسُّنَّةِ إثباتُهُ ولا نفيُهُ، فليسَ فيهَما أنَّهُ في جِهةٍ، أوْ لهُ جِهةٌ، ولاَ أنَّهُ ليسَ في جِهةٍ، أوْ ليسَ لهُ جِهةٌ، وفي النُّصوصِ ما يُغْنِي عنْهُ كالعُلُوِّ، والفوْقيَّةِ، والاسْتواءِ على العرْشِ، وصعودِ الأشياءِ إليهِ ونزولِهَا منْهُ.

وقدِ اضْطَّرَبَ المتأخِّرونَ في إثباتِهِ ونفيِهِ، فإذَا أجْريْنَاهُ على القاعدةِ قلْنَا: أما اللَّفْظُ فلاَ نُثْبِتُهُ ولاَ ننفيهِ لعدَمِ وُرُودِ ذلكَ، وأما المعنى فيُنْظَرُ ماذَا يُرادُ بالجِهةِ، أيُرَادُ بالجهةِ شيءٌ مخلوقٌ محيطٌ باللهِ عزَّ وجلَّ، فهذَا معنىً باطلٌ لا يَليقُ باللهِ سبحانَهُ فإنَّ اللهَ لا يُحيطُ بهِ شيءٌ منْ المخلوقاتِ فقدْ وَسِعَ كرسيُّهُ السمواتِ والأرضَ، ولا يَؤُودُهُ حفظُهُمَا، ولاَ يُمكِنُ أنْ يكونَ داخلَ شيءٍ منْ مخلوقاتِهِ.

أمْ يُرادُ بالْجِهةِ ما فوقَ العالَمِ، فهذَا حقٌّ ثابتٌ للهِ عزَّ وجلَّ فإنَّ اللهَ تعالى فوقَ خلقِهِ عالٍ عليهمْ، كما دلَّ على ذلكَ الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجماعُ، والعقلُ، والفِطرةُ، وفي صحيحِ مسلِمٍ منْ حديثِ معاويةَ بنِ الحكَمِ السُّلَمِيِّ أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ لجاريةٍ كانتْ لهُ:"أيْنَ اللهُ؟"قالتْ: في السَّماءِ. قالَ:"مَنْ أَنَا؟"قالتْ: أنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ:"أَعْتِقْهَا فإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ".

المثالُ الثاني: الحيِّزُ أوِ المُتَحيِّزُ:

فإذَا قالَ قائلٌ: هَلْ نَصِفُ اللهَ تعالى بأنَّهُ مُتحيِّزٌ أوْ في حَيِّزٍ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت