الصفحة 29 من 80

قلنَا: لفظُ"التحيُّزُ"أو"الحيِّزُ"ليسَ في الكتابِ والسُّنَّةِ إثباتُهُ ولا نفْيُهُ عنِ اللهِ تعالى، فليسَ فيهمَا انَّهُ في حيِّزٍ، أوْ مُتحَيِّزٍ، ولاَ أنَّه ليسَ كذلكَ وفي النُّصوصِ ما يُغْنيِ عنْهُ مثلُ الكبيرِ المُتعالِ.

وقَدِ اضْطَرَبَ المتأخِّرونَ في إثباتِ ذلكَ للهِ تعالى أوْ نفيِهِ عنْهُ فإذَا أَجريْنَاهُ على القاعدةِ قُلْنَا: أمَّا اللَّفْظُ فلاَ نُثْبِتُهُ ولا نَنْفِيهِ لعدمِ وُرودِ السَّمْعِ بِهِ، وأمَّا المعْنى فَيُنْظَرُ ماذا يُرادُ بالحيِّزِ أوِ المتحيِّزِ أيُرادُ بهِ أنَّ اللهَ تعالى تحُوزُهُ المخْلوقاتُ وتحيطُ بهِ، فهذَا معنًى باطلٌ منفيٌّ عنِ اللهِ تعالى لا يَلِيقُ بهِ فإنَّ اللهَ أكبرُ، وأعظمُ، وأجلُّ من أنْ تُحيطَ بهِ المخلوقاتُ وتَحوزُهُ كيفَ وقدْ وَسِعَ كرسُّيهُ السَّمواتِ والأرضَ، والأرضُ جميعًا قبضتُهُ يومَ القيامةِ والسَّمواتُ مطوِيَّاتٌ بِيَمينِهِ؟! وفي الصَّحِيحَيْنِ وغيرِهِمَا منْ حديثِ أبي هريرةَ - رضيَ اللهُ عنْهُ - أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ:"يَقْبِضُ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالى الأَرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمواتِ بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟". وقالَ ابنُ عبَّاسٍ - رضَي اللهُ عنْهُمَا:"ما السَّمواتُ السَّبْعُ والأَرْضُونَ السَّبْعُ وما فِيهِنَّ في يدِ الرَّحمنِ إلاّ كخَرْدَلَةٍ في يدِ أحدِكِمْ".

أمْ يُرادُ بالحيِّزِ أوِ المُتحَيِّزِ: أنَّ اللهَ مُنْحَازٌ عنِ المخلوقات أيْ مبايِنٌ لهَا منْفصِلٌ عنْهَا ليسَ حالاًّ فيهَا، ولاَ هيَ حالَّةٌ فيهِ، فهذَا حقٌّ ثابتٌ للهِ عزَّ وجلَّ كمَا قالَ أئمَّةُ أهلِ السُّنَّةِ هُوَ فَوْقَ سمواتِهِ على عرْشِهِ، بائنٌ منْ خَلْقِهِ.

(تنبيهٌ) جاءَ في القاعدةِ"أنَّهُ يَجِبُ علينَا الإِيمانُ بمَا أَخْبرَ اللهُ بهِ ورسولُهُ سواءٌ عرفْنَا معناهُ أمْ لاَ"لكنْ ليُعْلَمْ أنَّهُ ليْسَ في كلامِ اللهِ ورسولِهِ شيءٌ لا يَعْرِفُ معنَاهُ جميعُ الأمَّةِ، بلْ لا بدَّ أنْ يكونَ معروفًا لجميعِ الأمَّةِ أوْ بعضِهَا لقولِهِ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [1] . وقولِهِ: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [2] .

ولأنَّهُ لوْ كانَ فيهِ ما لاَ يَعْلَمُ معْناهُ أحدٌ لكانَ بعضُ الشريعةِ مجهولًا للأمَّةِ، ولكنَّ المعرفةَ والخفاءَ أمرانِ نِسبيَّانِ، فقدْ يكونُ معروفًا لشخصٍ مَا كانَ خَفِيًّا على غيرِهِ، إما لنقْصٍ في عِلمِهِ، أو قُصُورٍ في فَهْمِهِ، أوْ تقصيرٍ في طلبِهِ، أوْ سوءٍ في قصدِهِ.

فَصْلٌ

القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ

في إجْراءِ النُّصُوصِ عَلى ظَاهِرِهَا

ظَاهِرُ النُّصُوصِ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا مِنَ المَعانِي بِحَسْبِ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ وَمَا يَحْتَفُّ بِها مِنَ القَرَائِنِ.

وَالوَاجِبُ في النُّصوصِ إِجْراؤُها عَلى ظَاهرِهَا بِدُونِ تَحْرِيفٍ لِقَولِهِ تَعَالَى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [3] . وَقَوْلِهِ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [4] . وَقَوْلِهِ (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) [5] .

(1) سورة النحل، الآية: 44.

(2) سورة النحل، الآية: 89.

(3) سورة الشعراء، الآية 192: 195.

(4) سورة الزخرف، الآية: 3.

(5) سورة الأعراف، الآية: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت