الصفحة 30 من 80

فَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى أَنْزَلَهُ باللِّسانِ العَرَبيِّ مِنْ أَجْلِ عَقْلِهِ وَفَهْمِهِ، وَأَمَرنَا باتِّباعِهِ، وَجَبَ عَلَيْنَا إجْرَاؤُهُ عَلى ظَاهِرِهِ بِمُقْتَضَى ذَلكَ اللِّسَانِ العَرَبيِّ، إلاَّ أنْ تَمْنَعَ مِنْهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ.

ولاَ فَرْقَ في هذَا بَيْنَ نُصُوصٍ الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا، بَلْ قَدْ يَكُونُ وُجُوبُ التِزَامِ الظَّاهِرِ في نُصُوصِ الصِّفَاتِ أَوْلَى وأَظْهَرَ، لِأَنَّ مَدْلُولَها تَوْقِيفِيٌّ مَحْضٌ لاَ مَجَالَ لِلْعُقُولِ في تَفَاصِيلِهِ.

فإنْ قالَ قائلٌ: في نصوصِ الصِّفاتِ لاَ يَجوزُ إجراؤُها على ظاهِرِهَا لأنَّ ظاهرَهَا غيرَ مرادٍ.

فجوابُهُ أنْ يُقالَ: ماذَا تريدُ بالظاهِرِ؟ أتريدُ ما يَظهرُ منَ النُّصوصِ منَ المعانِي اللاَّئِقَةِ باللهِ منْ غيرِ تمثيلٍ فهذَا الظَّاهِرُ مرادٌ للهِ ورسولِهِ قَطْعًا، وواجبٌ على العِبادِ قَبُولُهُ، والإِيمانُ بهِ شرْعًا، لأنَّهُ حقٌّ ولاَ يُمْكنُ أنْ يُخاطِبَ اللهُ عبادَهُ بمَا يريدُ منْهُمْ خلافَ ظاهِرِهِ بدونِ بيانِ كيفٍ وقدْ قالَ: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [1] . وقالَ: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) [2] . ويقولُ عنْ رسولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [3] . ويقولُ: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [4] . ومنْ خَاطَبَ غيرَهُ بمَا يُريدُ منْهُ خلافَ ظاهرِهِ بدونِ بيانٍ فإنَّهُ لم يُبيِّنْ لهُ ولمْ يَهْدِهِ.

أمْ تريدُ بالظَّاهِرِ ما فَهِمْتَهُ منَ التَّمْثِيلِ، فهذَا غيرُ مرادٍ لكنَّهُ ليسَ ظاهرَ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، لأنَّ هذَا الظَّاهِرَ الذي فَهِمْتَهُ كفْرٌ وباطلٌ بالنَّصِّ والإِجماعِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يكونَ ظاهرُ كلامِ اللهِ ورسولِه كُفْرًا وباطلًا ولا يَرتَضِي ذلكَ أحدٌ منَ المُسْلمينَ.

وقدِ اتَّفَقَ سلَفُ الأمَّةِ وأئمَّتُهَا على أنَّ نصوصَ الصِّفاتِ تَجْرِي على ظاهرِهَا اللاَّئِقِ باللهِ عزَّ وجلَّ منْ غيرِ تحريفٍ، وأنَّ ظاهرَهَا لاَ يَقتضِي تمثيلَ الخالقِ بالمخلوقِ، فاتَّفَقُوا على أنَّ للهِ تعالى حياةً، وعِلْمًا، وقدرةً، وسَمْعًا، وبَصَرًا وأنَّهُ مستوٍ على عرشِهِ حقيقةً، وأنَّهُ يُحِبُّ، ويَرْضى، ويَكْرَهُ، ويَغْضبُ حقيقةً، وأنَّ له وجْهًا ويَدَيْنِ حقيقةً لقولِهِ تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ) [5] . وقولِهِ: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [6] . (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [7] . (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [8] وقولِهِ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [9] . وقولِهِ: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [10] . (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [11] . (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) [12] . (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) [13] . وقوله: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ) [14] . (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [15] .

(1) سورة النساء، الآية: 26.

(2) سورة النساء، الآية: 176.

(3) سورة النحل، الآية: 44.

(4) سورة الشورى، الآية: 52.

(5) سورة الفرقان، الآية: 58.

(6) سورة البقرة، الآية: 29.

(7) سورة المائدة، الآية: 120.

(8) سورة الشورى، الآية 11.

(9) سورة طه، الآية: 5.

(10) سورة المائدة، الآية: 54.

(11) سورة المائدة، الآية: 119.

(12) سورة التوبة، الآية: 46.

(13) سورة النساء، الآية: 93.

(14) سورة الرحمن، الآية: 27.

(15) سورة المائدة، الآية: 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت