فهرس الكتاب
فَأَجْرَوْا هذِهِ النُّصوصَ وغيرَها منْ نصوصِ الصِّفاتِ على ظاهرِها وقالُوا إنَّهُ مرادٌ على الوجهِ اللاَّئقِ باللهِ تعالى فلاَ تحريفَ، ولاَ تمثيلَ.
وبيانُ ذلكَ: أنَّ مِنْ صِفاتِنَا مَا هوَ معانٍ وأعراضٌ قائمةٌ بِنَا كالحياةِ والعلْمِ، والقدرةِ. ومنْهَا ما هوَ أعْيانٌ وأجسامٌ وهيَ أبعاضٌ لنَا كالوجهِ واليَدَيْنِ. ومِنَ المعلومِ أنَّ اللهَ وَصَفَ نفسَهُ بأنَّهُ حيٌّ، عليمٌ، قديرٌ، ولمْ يَقُلِ المسلمونَ إنَّ المفهومَ منْ حياتِهِ، وعلْمِهِ، وقدرتِهِ، كالمفهومِ منْ حياتِنَا، وعلْمِنَا وقدرتِنَا، لَمَّا وَصَفَ نفسَهُ بأنَّ لهُ وجهًا ويَدَيْنِ لمْ يكنِ المفهومُ منْ وجهِهِ ويديْهِ كالمفهومِ منْ وجوهِنَا وأَيْدِينَا. وإِنَّمَا قالَ المسلمونَ إنَّ المفهومَ منْ صفاتِ اللهِ في هذَا وهذَا لاَ يُماثِلُ المفهومَ منْها في صفاتِنَا بلْ كلُّ صفةٍ تُناسِبُ الموصوفَ وتليقُ بِهِ، فلما كانتْ ذاتُ الخالقِ لاَ تُماثِلُ ذواتِ المخلوقينَ، فكذلكَ صفاتُهُ لا تُماثِلُ صفاتِ المخلوقِ. وقدْ سَبَقَ أنَّ القوْلَ في الصِّفاتِ كالقولِ في الذَّاتِ.
فتبيَّنَ بذلكَ أنَّ منْ قالَ: إنَّ ظاهرَ نصوصِ الصِّفاتِ غيرَ مرادٍ فقدْ أخطأَ على كلِّ تقديرٍ، لأنَّهُ إنْ فَهِمَ منْ ظاهرهَا معنىً فاسدًا وهوَ التَّمثيلُ فقدْ أخطأَ في فِهمِهِ وأصابَ في قولِهِ (غيرُ مرادٍ) ، وإنْ فَهِمَ مِنْ ظاهرِهَا معنىً صحيحًا وهو المعنى اللاَّئقُ باللهِ فقدْ أَصابَ في فهمِهِ وأَخطَأَ في قولِهِ"غيرُ مرادٍ"فهوَ إنْ أصابَ في معنى ظاهرِهَا أَخطأَ في نفيِ كونهِ مرادًا، وإنْ أخطأَ في معنى ظاهرِها أصابَ في نفيِ كونِهِ مرادًا، فيكونُ قولُهُ خطأً على كلِّ تقديرٍ.
والصَّوابُ الذِي لاَ خَطَأَ فيهِ أنَّ ظاهرَهَا مرادٌ، وأنَّهُ ليسَ إلا معنىً يَلِيقُ باللهِ.
فَصْلٌ
والذينَ يَجعلونَ ظاهِرَ النُّصوصِ معنىً فاسدًا فيُنكِرونَهُ يكونُ خَطَؤُهمْ على وجهينِ:
الأوَّلُ: أنْ يُفَسِّرُوا النَّصَّ بمعنىً فاسدٍ لاَ يَدُلُّ عليهِ اللَّفظُ فيُنكِرونَهُ لذلكَ ويقولونَ إنَّ ظاهَرهُ غيرَ مرادٍ.
مثالُ ذلكَ: قولُهُ تعالى في الحديثِ القُدُسِيِّ:"يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، يا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فلمْ تَسْقِنِي". الحديثُ رواهُ مسلِمٌ.
قالُوا: فظاهِرُ الحديثِ أنَّ اللهَ يَمْرَضُ، ويَجوعُ، ويَعْطَشُ وهذَا معنًى فاسدٌ فيكونُ غيرُ مرادٍ.
فنقولُ: لوْ أَعْطَيْتُمُ النَّصَّ حقَّهُ لَتَبَيَّنَ لكمْ أنَّ هذَا المعْنى الفاسدَ ليسَ ظاهِرَ اللَّفْظِ، لأنَّ سياقَ الحديثِ يَمنَعُ ذلكَ فقدْ جاءَ مُفَسَّرًا بقولِ اللهِ تعالى في الحديثِ نفسِهِ:"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ فلمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استَطْعَمَكَ عبْدِي فلانٌ فلمْ تُطْعِمْهُ، واستسْقَاكَ عبدِي فلانٌ فلمْ تَسْقِهِ". وهذَا صريحٌ في أنَّ اللهَ سبحانَهُ لمْ يَمْرَضْ، ولمْ يَجُعْ، ولمْ يَعْطَشْ، وإنَّمَا حَصَلَ المرضُ، والجوعُ، والعطَشُ منْ عبدٍ منْ عِبَادِهِ.
ومثالٌ آخَرُ: قولُهُ تعالى عنْ سفينةِ نوحٍ: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [1] .
قالُوا: فظاهِرُ الآيةِ أنَّ السَّفينةَ تَجرِي في عينِ اللهِ، وهذا معنًى فاسدٌ فيكونُ غيرَ مرادٍ.
(1) سورة القمر، الآية: 14.