فهرس الكتاب
فنقولُ: دعواكُمْ أنَّ ظاهِرَ الآيةِ أنَّ السفينةَ تَجْرِي في عينِ اللهِ سبحانَهُ مردودةٌ منْ جهةِ التَّركيبِ اللَّفْظِيِّ ومنْ جهةِ المعْنى أيْضًا.
أما التركيبُ اللَّفْظِيُّ: فإِنَّهُ إذَا قالَ القائلُ:"فلانٌ يسيرُ بعَيْنِي"لَمْ يَفْهَمْ أحدٌ منْ هذا التَّركيبِ أنَّهُ يَسيرُ داخلَ عيْنَيْهِ، وَلَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أنَّ هذَا ظاهِرُ لفْظِهِ لضَحِكَ منْهُ السُّفَهَاءُ فضْلًا عَن العُقَلاءِ، وإِنَّمَا يُفْهَمُ منْهُ أنَّ عيْنَيْهِ تَصْحَبُهُ بالنَّظَرِ والرِّعايَةِ، لأَنَّ البَاءَ هُنَا لِلمُصَاحَبَةِ وليْستْ للظَّرْفيَّةِ.
وأَما المَعْنى: فإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ نوحًا عليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في الأرضِ، وأنَّهُ صَنَعَ السَّفينةَ في الأرضِ، وجَرَتْ على الماءِ في الأرضِ كمَا قال اللهُ تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) [1] .
وقالَ: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) [2] .
ولاَ يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ أنَّ السفينةَ تَجرِي في عينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لأنَّ ذلكَ ممتنِعٌ غايةَ الامتناعِ في حقِّ اللهِ تعالى، ولاَ يُمْكِنُ لمنْ عَرَفَ اللهَ، وقَدَرَهُ حقَّ قدْرِهِ، وَعَلِمَ أنَّهُ مستوٍ على عرشِهِ، بائنٌ منْ خلقِهِ، ليسَ حَالاًّ في شيْءٍ منْ مخلوقاتِهِ، ولاَ شيْءٌ منْ مخلوقاتِهِ حالاًّ فيهِ أنْ يَفْهَمَ منْ هذَا اللَّفظِ هذَا المعْنَى الفاسدَ.
وعلى هذَا فمَعْنى الآيةِ الّذِي هوَ ظاهرُ اللَّفظِ أنَّ السفينةَ تَجرِي واللهُ تعالى يَكلَؤُهَا بعينِهِ.
ومثالٌ ثالثٌ، في الأثَرِ:"الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ، فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ".
قالُوا: فظاهِرُ الأثَرِ أنَّ الحَجَرَ نَفْسَهُ يمينُ اللهِ في الأرضِ، وهذَا معنىً فاسدٌ فيكونُ غيرَ مرادٍ.
فنقولُ: أوَّلًا: هذَا الأثرُ رُوِيَ عنِ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بإسنادٍ لا يَثبُتُ والمشهورُ أنَّهُ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ. قلتُ: قالَ ابنُ الجوزيِّ: هذَا حديثٌ لاَ يَصِحُّ وقالَ ابْنُ العَرَبيِّ: حديثٌ باطلٌ فلاَ يُلْتَفَتُ إليْهِ. ا هـ.
ثانيًا: أنَّهُ - على تقديرِ صِحَّتِهِ - صريحٌ في أنَّ الحجرَ الأسودَ ليسَ نفسَ يمينِ اللهِ لأنَّهُ قالَ:"يمينُ اللهِ في الأرْضِ"فقيَّدَهُ في الأَرْضِ ولمْ يُطْلِقْ وحكْمُ اللَّفْظِ المقيَّدِ يُخالِفُ المطلَقَ، ومعلومٌ أنَّ اللهَ تعالى في السَّماءِ، ولأنَّهُ قالَ:"فمنْ صافَحَهُ وقَبَّلَهُ فكأنَّما صافَحَ اللهَ وقبَّلَ يمينَهُ"ومعلومٌ أنَّ المُشَبَّهَ غيرُ المشبَّهِ بهِ، فالأَثَرُ ظاهرٌ في أنَّ مستَلِمَ الحجَرِ ليسَ مصافِحًا للهِ، وليْسَ الحجرُ نفسَ يمينِ اللهِ فكيفَ يُجعَلُ ظاهرُهُ كفْرًا يَحْتاجُ إلى تأويلٍ.
الوَجْهُ الثاني: أنْ يُفَسِّرُوا اللَّفْظَ بمعنًى صحيحٍ موافِقٍ لظاهرِهِ لكنْ يردُّونَهُ لاعتقادِهِمْ أنَّهُ باطلٌ وليسَ بباطلٍ.
مثالُ ذلكَ قولُهُ تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [3] .
قالُوا: فظاهِرُ الآيةِ أنَّ اللهَ علاَ على العرشِ، والعرشُ محدودٌ فيَلزَمُ أنْ يكونَ اللهُ سبحانَهُ محدودًا، وهذَا معنًى فاسدٌ فَيكونَ غيرَ مرادٍ.
فنقولُ: إنَّ عُلُوَّ اللهِ تعالى على عرْشِهِ - وإنْ كانَ العرشُ محدودًا - لاَ يَستلزِمُ معنىً فاسدًا فإنَّ اللهَ تعالى قدْ عَلا على عرْشِهِ عُلُوًّا يَلِيقُ بجلالِهِ وعَظَمتِهِ، ولا يُماثِلُ عُلُوَّ المخلوقِ على المخلوقِ، ولا يَلزَمُ مِنْهُ أنْ يَكُونَ اللهُ محدودًا، وهُوَ علوٌّ يَختصُّ
(1) سورة هود، الآية: 38.
(2) سورة القمر، الآيات: 10 - 14.
(3) سورة طه، الآية: 5.