فهرس الكتاب
بالعرشِ، والعرشُ أَعْلى المخلوقاتِ فيكونَ اللهُ تعالى عاليًا على كلِّ شيْءٍ وهذَا مِنْ كَمالِهِ وكمالِ صفاتِهِ فكيفَ يكونُ معنىً فاسدًا غيرَ مرادٍ؟!.
مثالٌ آخرُ: قولُهُ تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [1] .
قالُوا: فظاهِرُ الآيةِ أنَّ للهِ تعالى يَدَيْنِ حقيقيَّتَيْنِ وهمَا جارحةٌ، وهذَا معنًى فاسدٌ فيكونُ غيرَ مُرادٍ.
فنقولُ: إنَّ ثبوتَ اليَدَيْنِ الحقيقيَّتَيْنِ للهِ عزَّ وجلَّ لا يَستلزِمُ معنًى فاسدًا، فإنَّ للهِ تعالى يَدَيْنِ حقيقيَّتَيْنِ تَلِيقَانِ بجلالِهِ وعظَمَتِهِ، بهمَا يأْخُذُ ويَقْبِضُ، ولاَ تُماثِلاَنِ أيْدِي المخْلوقينَ، وهذَا منْ كمالِهِ وكمالِ صفاتِهِ قالَ اللهُ تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [2] . وَفي صحيحِ مسلِمٍ عنْ أبي هريرةَ رضِيَ اللهُ عنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - ولاَ يَقْبَلُ اللهُ إلاَّ الطَّيِّبَ - إلاّ أخَذَهَا الرَّحْمنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو في كَفِّ الرَّحْمنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ منَ الجَبَلِ". فأيُّ معنىً فاسدٍ يَلزَمُ منْ ظاهِرِ النَّصِّ حتَّى يُقالَ إنَّه مُرادٌ؟!
وقدْ يَجتمعُ الخطأُ مِنَ الوجهينِ في مثالٍ واحدٍ مثلُ قولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمنِ كَقَلْبٍ واحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ".
فقالُوا على الوجهِ الأوَّلِ: ظاهرُ الحديثِ أنَّ قلوبَ بني آدمَ بينَ أَصابعِ الرَّحمنِ فيَلزَمُ منهُ المباشَرَةُ والممارَسةُ، وأنْ تكونَ أصابعُ اللهِ سبحانَهُ داخلَ أَجْوافِنَا، وهذا معنًى فاسدٌ فيكونُ غيرَ مرادٍ.
وقالُوا على الوجهِ الثاني: ظاهِرُ الحديثِ أنَّ للهِ أصابعَ حقيقيَّةً والأصابعُ جوارحُ وهذَا معنًى فاسدٌ فيكونُ غيرَ مرادٍ.
فنقولُ على الوجْهِ الأوَّل: إنَّ كونَ قلوبِ بني آدمَ بينَ إصبعيْنِ منْ أصابعِ الرَّحمنِ حقيقةً لا يَلزَمُ منهُ المباشَرَةُ والْمُماسَّةُ، ولا أنْ تكونَ أصابعُ اللهِ عزَّ وجلَّ داخلَ أجوافِنَا ألاَ ترى إلى قولِهِ تعالى: (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [3] . فإنَّ السَّحابَ لاَ يُباشِرُ السَّماءَ ولاَ الأرضَ ولاَ يُماسُّهُما.
ويُقالُ: سُترةُ المصلِّي بينَ يَدَيْهِ وليستْ مباشَرَةً لهُ ولاَ مُمَاسَّةً لهُ.
فإِذَا كانت البينيَّةُ لاَ تَستلزِمُ المباشَرَةَ والْمُمَاسَّةَ فيمَا بينَ المخلوقاتِ فكيفَ بالبينيَّةِ فيمَا بينَ المخلوقِ والخالقِ الذِي وَسِعَ كُرْسيُّهُ السَّمواتِ والأرضَ وهوَ بكلِّ شيْءٍ مُحيطٌ، وقدْ دلَّ السَّمْعُ والعقلُ على أنَّ اللهَ تعالى بائنٌ منْ خلقِهِ، ولاَ يَحِلُّ في شيءٍ منْ خلقِهِ، ولاَ يحلُّ فيهِ شيْءٌ منْ خلْقِهِ، وأَجْمَعَ السَّلَفُ على ذلكَ.
ونقولُ على الوجهِ الثَّاني: إنَّ ثبوتَ الأصابعِ الحقيقيَّةِ للهِ تعالى لاَ يَستلزِمُ معنًى فاسدًا، وحينئذٍ يكونُ مرادًا قطْعًا، فإنَّ للهِ تعالى أصابعَ حقيقيَّةً تَلِيقُ باللهِ عزَّ وجلَّ، ولا تُماثِلُ أصابعَ المخلوقينَ وفي صحيحِ البخاريِّ ومسلِمٍ عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ:"جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إلى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا محمَّدُ إنَّا نَجِدُ أنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمواتِ على إِصْبَعٍ والأَرْضينَ على إِصْبَعٍ، والشَّجَرَ على إِصْبَعٍ، والمَاءَ وَالثَّرى على إصْبَعٍ، وسَائِرَ الخلائِقِ على إِصْبَعٍ فيقولُ: أَنَا المَلِكُ فَضَحِكَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ"
(1) سورة المائدة، الآية: 64.
(2) سورة الزمر، الآية: 67.
(3) سورة البقرة، الآية: 164.