فهرس الكتاب
قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [1] . هذَا لفظُ البخاريِّ في تفسيرِ سورةِ الزُّمَرِ.
فأيُّ معنًى فاسدٍ يَلزَمُ منْ ظاهِرِ النَّصِّ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ غيرُ مرادٍ؟!
ويُشبهُ هذَا الخطأَ أَنْ يُجْعَلَ اللَّفْظُ نظيرًا لما ليْسَ مثْلَهُ كمَا قيلَ في قولِهِ تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [2] . إنَّهُ مِثْلُ قولِهِ تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) [3] . فيكونُ المرادُ باليدِ نفسَ الفاعلِ في الآيتينِ. وهذَا غلطٌ فإنَّ الفرْقَ بينَهُمَا ثابتٌ منْ وجوهٍ ثلاثةٍ:
الأوَّلُ: منْ حيثُ الصِّيغةِ فإنَّ اللهَ قالَ في الآيةِ الأُولى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) وهيَ تُخالِفُ الصيغةَ في الآيةِ الثَّانيةِ فإنَّ اللهَ قالَ فيهَا: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) . ولوْ كانتِ الأُولى نظيرةً للثَّانيةِ لكانَ لفظُهَا: (لِمَا خَلَقَتْ يَدَايَ) . فَيُضَافُ الخلْقُ إليهِمَا، كما أُضِيفَ العملُ إليهَا في الثَّانيةِ.
الثَّاني: أنَّ اللهَ تعالى أَضافَ في الآيةِ الأُولى الفعْلَ إلى نفسِهِ مُعَدًّى بالباءِ إلى اليدينِ فكانَ سبحانَهُ هوَ الخالِقُ وكانَ خَلْقُهُ بيديْهِ. ألاَ ترى إلى قولِ القائلِ: كتَبتُ بالقلَمِ فإنَّ الكاتِبَ هوَ فاعلُ الكتابةِ، ومدخولُ الباءِ وهوَ القلمُ حصَلَتْ بهِ الكتابةُ.
وأما الآيةُ الثَّانِيَةُ: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) . فأضافَ الفعْلَ فيهَا إلى الأَيدِي المضافَةِ، إليْهِ وإضافةُ الفعْلِ إلى الأيدِي كإضافتِهِ إلى النَّفسِ فكأنَّهُ قالَ: ممَّا عَمِلْنَا. ألا تَرى إلى قولِهِ تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [4] . والمرادُ بمَا كَسَبتمْ بدليلِ قولِهِ في آيةٍ أُخْرى:(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) [5] .
الوجْهُ الثَّالِثُ: إنَّ اللهَ تعالى أَضافَ الفعْلَ في الآيةِ الأُولى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [6] . معدًّى بالباءِ إلى يدينِ اثنتينِ، ولاَ يُمكِنُ أنْ يُرَادَ بهمَا نفسُهُ لدَلالةِ التثنيةِ على عددٍ محصورٍ باثنينِ، والربُّ - جلَّ وعلاَ - إلهٌ واحدٌ فلاَ يُمكِنُ أنْ يَذْكُرَ نفسَهُ بصيغةِ التَّثْنِيَةِ لدَلالةِ ذلكَ على صريحِ العددِ وحصْرِهِ ولكنَّهُ تعالى يَذكُرُ نفْسَهُ تارةً بصيغةِ الإِفرادِ للتوحيدِ، وتارةً يَذْكُرُ نفسَهُ بصيغةِ الجمْعِ للتعظيمِ، وَرُبَّمَا يَدُلُّ الجَمْعُ على معاني أسمائِهِ.
أما في الآيةِ الثَّانيةِ فأَضافَ الفعْلُ إلى الأَيدِي المضافةِ إليْهِ مجموعةً للتَّعْظِيمِ فصارَ المرادُ بِهَا نفسَهُ المقدَّسَةَ جلَّ وعَلاَ.
وبهذَا تَبَيَّنَ الفرْقُ بيْنَ قولِهِ: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . وقولِهِ: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) [7] وأنَّها ليستْ نظيرًا لَهَا. وتَبَيَّنَ أيْضًا أنَّ ظاهِرَ النُّصوصِ في الصِّفاتِ حقٌّ ثابتٌ مرادٌ للهِ تعالى على الوجهِ اللائقِ بهِ، وأنَّهُ لا يَستلزِمُ نقصًا في حقِّه ولا تمثيلًا لَهُ بخلقِهِ.
لكنْ لوْ كنَّا نخاطِبُ شخْصًا لا يَفْهَمُ من ظاهرِهَا إلا ما يَقتضِي التَّمْثيلَ فإنَّنَا نقولُ لَهُ: إن هذَا الظاهرَ الذي فهِمْتَهُ غيرُ مرادٍ، ثُمَّ نُبيِّنُ لهُ أنَّ هذَا ليسَ ظاهرَ النُّصوصِ لأنَّهُ باطلٌ لا يَقتضِيهِ السِّياقُ كمَا سَبَقَ بيانُهُ.
(1) سورة الزمر، الآية: 67.
(2) سورة ص، الآية: 75.
(3) سورة يس، الآية: 71.
(4) سورة الشورى، الآية: 30.
(5) سورة الزمر، الآية: 51.
(6) سورة ص، الآية 75.
(7) سورة يس، الآية: 71.