فهرس الكتاب
القاعدةُ الرَّبعةُ
في تَوَهُّمِ بعضِ النَّاسِ في نصوصِ الصِّفاتِ والمحاذيرِ المترتِّبَةِ على ذلكَ
اعلَمْ أنَّ كثيرًا منَ النَّاسِ يَتَوهَّمُ في بعضِ الصِّفَاتِ الّتِي دَلَّتْ عليْهَا النُّصُوصُ، أوْ كثيرٌ منْهَا، أوْ أكثرُهَا، أو كلُّها، أنَّها تُماثِلُ صفاتِ المخلوقينَ، ثمَّ يُريدُ أنْ يَنفِيَ ذلكَ الوَهْمَ الّذِي تَوَهَّمَهُ فيَقعَ في أربعةِ مَحاذيرَ:
الأوَّلُ: أنَّهُ فَهِمَ منَ النُّصوصِ صفاتٍ تُماثِلُ صفاتِ المخلوقينَ، وظنَّ أنَّ ذلكَ هُوَ مدلُولُ النَّصِّ، وهذَا فَهْمٌ خَاطِئٌ، فإنَّ الصِّفَةَ الّتي دلَّتْ عليهَا النُّصوصُ تُناسِبُ مَوصوفَهَا وتَلِيقُ بِهِ.
وتَمثيلُ الخالقُ بالمخلوقِ كفْرٌ، وضَلالٌ، لأنَّهُ تكذيبٌ لقولِهِ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [1] ولاَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ظاهرُ النُّصُوصِ الكفْرَ والضلالُ لقولِهِ تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [2] . وقولِهِ: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) [3] .
الثَّاني: أنَّهُ جَنَى على النُّصوصِ حيثُ نَفَى مَا تَدُلُّ عليْهِ منً المَعَاني الإِلَهِيَّةِ، ثمَّ أَثْبَتَ لهَا معانيَ منْ عندِهِ، لا يَدُلُّ عليْهَا ظاهِرُ اللَّفْظِ، فكانَ جانيًا على النُّصوصِ منْ وَجْهَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَفَى ما دَلَّتْ عليْهِ النُّصُوصُ مِنَ الصِّفَاتِ بغيرِ علْمٍ فيكونُ بذلكَ قائلًا على اللهِ ما لاَ يَعْلَمْ، وهذَا محرَّمٌ بالنَّصِّ، والإِجماعِ قالَ اللهُ تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [4] .
الرَّابِعُ: أنَّهُ إِذَا نَفَى عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ ما تَقتضِيهِ النُّصُوصُ منْ صفاتِ الكمالِ لزِمَ أنْ يكونَ اللهُ - سبحانَهُ - متَّصِفًا بنقيضِهَا مِنْ صفاتِ النَّقْصِ، وذلكَ لأنَّهُ مَا مِنْ موجودٍ إلاّ وَهُوَ متَّصِفٌ بصفةٍ، ولا يُمْكِنُ وجودُ ذاتٍ مجرَّدةٍ عنِ الصِّفاتِ، فإذَا انْتَفَتْ صفةُ الكمالِ عنْهَا، لزِمَ اتِّصَافُهَا بصفاتِ النَّقْصِ.
وحينئذٍ يكونُ منْ نَفَى عنِ اللهِ تعالى ما تَقتضِيهِ النُّصُوصُ منْ صفاتِ الكمالِ، مُتَعَدِّيًا في حقِّ اللهِ تعالى، حيثُ جَمَعَ بينَ نَفْيِ صفاتِ الكمالِ عنْهُ، وتمثيلِهِ بالمنقوصاتِ والمعدوماتِ، بلْ قدْ يَرتَقي بهِ الغُلُوُّ في النَّفْيِ إلى تمثيلِهِ بالممتنِعاتِ المستحيلاتِ.
ويكونُ أيْضًا جَانيًا على النُّصُوصِ حيثُ عطَّلَهَا عما دَلَّتْ عليهِ منْ صفاتِ الكمالِ للهِ تعالى، وأَثْبَتتَ لهَا معانيَ منْ عندِهِ لاَ يَدُلُّ عليْهَا ظاهرُهَا فيَجمَعُ بيْنَ النَّفْيِ، والتَّمثيلِ في صفاتِ اللهِ، وبيْنَ التَّحْرِيفِ، والتَّعْطِيلِ في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ويكونُ مُلْحِدًا في أسماءِ اللهِ وآياتِهِ وقدْ قالَ اللهُ تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا
(1) سورة الشورى، الآية: 11.
(2) سورة النساء، الآية: 26.
(3) سورة النساء، الآية: 176.
(4) سورة الأعراف، الآية: 33.