الصفحة 36 من 80

كَانُوا يَعْمَلُونَ) [1] . وقالَ: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [2] .

مثالُ ذلكَ: أنَّ اللهَ تعالى أَخبرَ عنْ نفسِهِ أنَّهُ استوى على العَرْشِ فَيَتَوَهَّمُ واهمٌ أنَّهُ كاسْتِوَاءِ الإِنسانِ على ظهورِ الفُلْكِ والأنعامِ، وأنَّهُ محتاجٌ إلى العرشِ كحاجةِ الإنسانِ للأنعامِ والفُلْكِ، فلوْ عَثُرَتِ الدَّابَّةُ لَخَرَّ المُسْتوِي عليْهَا، ولوِ انْخَرَقَت السَّفينةُ لغَرِقَ المُستوِي عليْهَا، فقياسُ هذَا أَنَّهُ لوْ عُدِمَ العَرْشُ لسَقَطَ الرَّبُّ على قياسِهِ الفاسِدِ، فيَنْفِي بذلكَ حقيقةَ الاستواءِ، ومَنْشَأُ هذَا الوهْمِ الّذِي تَوهَّمَهُ في استواءِ اللهِ على عرشِهِ ظَنُّهُ أنَّهُ مثلُ استواءِ الإِنسانِ على ظُهُورِ الأنعامِ والفُلْكِ، وهذا ظنٌّ فاسِدٌ، لأنَّ اللهَ تعالى أَضافَ الاستواءَ إلى نفسِهِ الكريمةِ، لم يَذكرِ اسْتواءً مطلَقًا يَصْلُحُ للمخلوقِ، ولا عامًّا يَتناولُ المخلوقَ، فتعيَّنَ أنْ يكونَ استواءً خاصًّا يَلِيقُ بهِ كسائرِ صفاتِهِ وأفعالِهِ لا يُماثِلُ استواءَ المخلوقينَ، كما أنَّ اللهَ نفسَهُ لاَ يُماثِلُ المخلوقينَ.

ألاَ ترى إلى قولِهِ تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) [3] هلْ يَتَوَهَّمُ أحدٌ أنَّ بناءَهُ إيَّاهَا كبناءِ المخلوقِ سقْفَ البيتِ بحيثُ يَحتاجُ إلى زَنْبيَلٍ، ومَجارفَ وضَرْبِ لَبِنٍ، وجَبْلِ طينٍ ونحوِ ذلكَ، فإذَا كانَ لا يَحتاجُ إلى ذلكَ في هذَا الفعلِ منْ أَفعالِهِ، لَزِمَ أنْ لا يكونَ مُحتاجًا إلى العرْشِ في استوائِهِ عليْهِ بلْ هوَ سبحانَهُ الغَنيُّ عنِ العَرْشِ وغيرِه.

فتَجِدُ هذَا الذِي نَفَى حقيقةَ الاستواءِ الذي هوَ ظاهِرُ النُّصوصِ وَقَعَ في تلكَ المحاذِيرِ الأرْبَعَةِ:

1 -فقدْ مَثَّلَ مَا فَهِمَهُ منِ اسْتِواءِ اللهِ على عَرْشِهِ باستواءِ المخلوقِين.

2 -وعَطَّلَ النُّصُوصَ عما دَلَّتْ عليهِ منْ صِفَةِ الاسْتواءِ اللاَّئِقِ باللهِ، ثمَّ حرَّفَهَا إلى معانٍ لا تَدُلُّ عليْهَا.

3 -وكانَ نفيُهُ لذلكَ وتعطيلُهُ بلاَ عِلْمٍ، بلْ عنْ جَهْلٍ، وظنٍّ فاسدٍ.

4 -ولَزِمَ منْ نفيِهِ لصفةِ الكمالِ الَّتي تَضمَّنَهَا الاستواءُ ثُبوتُ صفةِ نقْصٍ بفواتِ هذَا الكمالِ.

مثالٌ آخَرُ: قولُهُ تعالى: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) [4] . فيَتَوَهَّمُ واهِمٌ أنَّ اللهَ تعالى داخِلَ السَّماءِ، وأنَّ السَّماءَ تُحيطُ بهِ كمَا لوْ قلْنَا فلانٌ في الحُجْرَةِ فإنَّ الحجرةَ مُحيطةٌ بهِ، فَيَنفِي بِناءً على هذَا الوهْمِ كَوْنَ اللهِ تعالى في السَّماءِ ويقولُ: إنَّ الذِي في السَّماءِ مُلْكُهُ وسلطانُهُ ونحوُ ذلكَ.

ومَنْشَأُ هَذَا الوَهْمِ ظَنُّهُ أنَّ (في) التي للظَّرفيَّةِ تكونُ بمعنًى واحدٍ في جميعِ مواردِهَا، وهذَا ظنٌّ فاسدٌ، فإنَّ (في) يَختلفُ معناهَا بحسْبِ متعلِّقِهَا فإنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ كونِ الشَّيْءِ في المكانِ، وكَوْنِ العَرَضِ في الجِسْمِ، وكَوْنِ الوجهِ في المرآةِ، وكَوْنِ الكلامِ في الوَرَقِ المكتوبِ فيهِ، فلوْ قيلَ: هل العَرشُ في السَّماءِ أوْ في الأرضِ؟ لقيلَ في السَّماءِ معَ أنَّ العَرْشَ أكبرُ منَ السَّماءِ كثيرًا.

وعلى هذَا فيُخَرَّجُ قولُهُ: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) [5] على أَحَدِ وَجْهَيْنِ:

إما أنْ تكونَ السَّماءُ بمعنى العُلُوِّ، فإنَّ السَّماءَ يُرادُ بهِ العُلُوُّ كَما في قولِهِ تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) [6] . والمطَرُ يَنْزِلُ منَ السَّحابِ المسخَّرِ بينَ السَّمَاءِ والأَرْضِ لاَ منَ السَّماءِ نفسِهَا، فيكونُ معنى كونِهِ تعالى في السَّماءِ أنَّهُ في العُلُوِّ المطلَقِ فوقَ جميعِ المخلوقاتِ، وليسَ هناكَ ظرفٌ وُجوديٌّ يُحيطُ بهِ إذْ ليسَ فوقَ العالمِ شيْءٌ سوى اللهِ تعالى.

(1) سورة الأعراف، الآية: 180.

(2) سورة فصلت، الآية:40.

(3) سورة الذاريات، الآية: 47.

(4) سورة الملك، الآية: 16.

(5) سورة الملك، الآية: 16.

(6) سورة النمل، الآية: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت