الصفحة 37 من 80

وإمَّا أنْ تكونَ (في) بمعنى (على) كمَا جاءتْ بمعناهَا في مثلِ قولِهِ تعالى: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) [1] . أيْ على الأرضِ وقولِهِ عنْ فِرعونَ: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [2] . أيْ على جذوعِ النَّخْلِ وعلى هذَا فيكونُ معنى قولِهِ تعالى: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) [3] . أيْ على السَّماءِ أيْ فوقَهُ واللهُ تعالى فوقَ السَّمواتِ وفَوْقَ كُلِّ شيْءٍ.

فتَجِدُ هذَا الذي نَفَى أنْ يكونَ اللهُ في السَّماءِ حقيقةً وَقَعَ في المحاذيرِ الأربعةِ:

1 -فقدْ مَثَّلَ مَا فَهِمَهُ منْ كَوْنِ اللهِ تعالى في السَّمَاءِ بكَوْنِ المَخْلُوقِ في الحُجْرَةِ ونحوِ ذلكَ.

2 -وعَطَّلَ النُّصوصَ عما دَلَّتْ عليْهِ من عُلُوِّ اللهِ تعالى في السَّمَاءِ، ثمَّ حرَّفَهَا إلى معانٍ لاَ تَدُلُّ عليْهَا.

3 -وكانَ نَفْيُهُ وتعطيلُهُ بِلاَ عِلْمٍ، بلْ عنْ جَهْلٍ، وظنٍّ فاسدٍ.

4 -ولَزِمَ منْ نفيِهِ لصفةِ الكمالِ الّتي تَضَمَّنَهَا كونُهُ في السَّمَاءِ ثُبُوتُ صفةِ النَّقْصِ، لأنَّ نفيَهُ لصفةِ العُلُوِّ يَستلزِمُ أَحدَ أمْريْنِ ولاَ بُدَّ:

فإمَّا أنْ يكونَ اللهُ تعالى في كلِّ مكانٍ بذاتِهِ والقولُ بهذَا في غايةِ الضَّلالِ والكُفْرِ، لأنَّهُ يَستلزِمُ إما تَعَدُّدَ الخالقِ، وإما تَبَعُّضَهُ، ويَستلزِمُ كذلكَ أنْ يكونَ في محلاَّتِ القَذَرِ والأَذى الّتي يَتَنَزَّهُ عنْهَا كلُّ ذِي مُروءةٍ، فضْلًا عنِ الخالقِ.

وإمَّا أنْ يكونَ اللهُ تعالى لا داخِلَ العالَمِ، ولاَ خارجَهُ، ولاَ فَوْقَ، ولاَ تحتَ ولاَ متَّصِلًا، ولاَ منْفَصِلًا، ولا مُبَايِنًا، ولاَ مُحَايِثًا ونحوُ ذلكَ مِنَ العباراتِ الْمُتضمِّنَةِ للتَّعْطيلِ المحْضِ، وحقيقةُ هذَا نفيُ وجودِ الخالقِ جلَّ وعلاَ.

القَاعِدَةُ الخَامِسَةُ

في عِلْمِنَا بمَا أَخْبَرَ اللهُ تعالى بِهِ عنْ نَفْسِهِ

مَا أخْبَرَنَا اللهُ بِهِ عنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَعْلُومٌ لنَا مِنْ جِهَةٍ، ومجْهُولٌ مِنْ جِهَةٍ.

معلومٌ لنَا منْ جهةِ المعنى، ومجهولٌ لنَا منْ جهةِ الكيْفيَّةِ.

أما كونُهُ معلومًا لنَا منْ جهةِ المعنى فثابتٌ بدَلالةِ السَّمْعِ، والعقْلِ.

فمنْ أدلَّةِ السَّمْعِ قولُهُ تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [4] . وقولُهُ: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [5] . وقولُهُ: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [6] . وقولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ".

(1) سورة آل عمران، الآية: 137.

(2) سورة طه، الآية: 71.

(3) سورة الملك، الآية: 16.

(4) سورة ص، الآية: 29.

(5) سورة النساء، الآية: 82.

(6) سورة محمد، الآية: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت