فهرس الكتاب
فحَثَّ اللهُ تعالى على تَدَبُّرِ القُرآنِ كلِّهِ ولَمْ يَسْتَثْنِ شيْئًا منْهُ، ووَبَّخَ منْ لمْ يَتَدبَّرْهُ، وبيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ مِنْ إنْزالِهِ أنْ يَتَدَبَّرَهُ الذِي أُنْزِلَ إليْهِمْ ويَتَّعِظَ بِهِ أصحابُ العقولِ، ولولاَ أنَّ لهُ معنًى يُعْلَمُ بالتَّدَبُّرِ لكانَ الْحَثُّ على تَدَبُّرِهِ منْ لَغْوِ القوْلِ، ولكانَ الاشْتِغَالُ بتدبُّرِهِ منْ إِضاعةِ الوقتِ، وَلَفَاتَتْ الحكمةُ منْ إنزالِهِ، ولمَا حَسُنَ التَّوبيخُ على تَرْكِهِ.
والْحَثُّ على تَدَبُّرِ القُرْآنِ شامِلٌ لتَدَبُّرِ جميعِ آياتِهِ الخبريَّةِ العِلْميَّةِ والحُكْمِيَّةِ العَمَلِيَّةِ، فكمَا أنَّنَا مأْمورونَ بتدبُّرِ آياتِ الأحكامِ لفَهْمِ معنَاهَا والعملِ بمقْتضَاهَا، إذْ لاَ يُمكِنُ العملُ بهَا بدونِ فهْمِ معنَاهَا، فكذلِكَ نحنُ مأمُورُونَ بتدبُّرِ آياتِ الأخْبَارِ لفَهْمِ معنَاهَا، واعتقادِ مقْتضَاهَا، والثَّناءِ على اللهِ تعالى بهَا، إذْ لاَ يُمكِنُ اعتقادُ مَا لمْ نَفْهَمْهُ، أوِ الثَّناءُ على اللهِ تعالى بهِ.
وأمَّا دَلالةُ العقلِ على فهْمِ معاني ما أَخْبَرَ اللهُ تعالى بهِ عنْ نفسِهِ فمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّ مَا أَخْبَرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ أعْلى مراتبِ الأخْبارِ وأغْلى مطالِبِ الأَخْيارِ، فمِن المُحَالِ أنْ يكونَ مَا أخْبَرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ مجهولَ المعنى، ومَا أَخْبَرَ بهِ عنْ فرعونَ، وهامانَ، وقارونَ، وعنْ قومِ نوحٍ، وعادٍ، وثمودَ، والذينَ مِنْ بعدِهِمْ، معلومَ المعنى معَ أنَّ ضرورةَ الخَلْقِ لفَهْمِ معنى مَا أَخبَرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ أَعظَمُ وأَشَدُّ.
الوجْهُ الثَّاني: أنَّهُ مِنَ المُحَالِ أنْ يُنَزِّلَ اللهُ تعالى على عِبادِهِ كتابًا يُعَرِّفُهُمْ بهِ بأسمائِهِ، وصفاتِهِ، وأفعالِهِ، وأحكامِهِ، ويَصِفَهُ بأنَّهُ عليٌّ حكيمٌ [1] كريمٌ [2] عظيمٌ [3] مجيدٌ [4] مبينٌ بلسانٍ عربيٍّ ليُعْقَلَ ويُفْهَمَ [5] .
ثمَّ تكونَ كلماتُهُ في أَعْظَمِ المطالبِ غيرَ معلومةِ المعنى، بمنْزِلَةِ الحروفِ الهجائيَّةِ الَّتي لا يَعْلَمُهَا النَّاسُ إلا أَمَانيَّ، وَلاَ يَخرجُونَ بعِلْمِهَا عنْ صِفَةِ الأمِّيَّةِ كمَا قالَ تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَ أَمَانِيَّ) [6] .
فإنْ قلتَ: مَا الجوابُ عنْ قولِهِ تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [7] . فإنَّ هذَا يَقتَضِي أنَّ في القرآنِ آياتٍ متشابِهاتٍ لا يَعلَمُ تَأويلَهُنَّ إلا اللهُ.
قلْنَا: الجوابُ أنَّ لِلسَّلَفِ في الوقْفِ في هذهِ الآيةِ قوْلَيْنِ:
أحَدُهُمَا: الوقْفُ عندَ قولِهِ: (إِلاَ اللَّهُ) وَهُوَ قولُ جمهورِ السَّلَفِ والخَلَفِ وبناءً عليْهِ يكونُ المرادُ بالتأويلِ في قولِهِ: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللَّهُ) . الحقيقةَ الَّتِي يَؤُولُ الكلامُ إليْهَا، لا التَّفْسِيرَ الَّذي هوَ بيانُ المعنى فتأويلُ آياتِ الصِّفاتِ على هذَا هوَ حقيقةُ تلك الصِّفاتِ وكُنْهِهَا وهذَا منَ الأمورِ الغيْبيَّةِ الَّتي لاَ يُدْرِكُهَا العقلُ ولمْ يَرِدْ بهَا السَّمْعُ فلاَ يَعْلَمُهَا إلا اللهَ.
(1) وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم.
(2) إنه لقرآن كريم.
(3) ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم.
(4) بل هو قرآن مجيد.
(5) حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون.
(6) سورة البقرة، الآية: 78.
(7) سورة آل عمران، الآية: 7.