فهرس الكتاب
الثَّاني: الوَصْلُ فلاَ يَقِفُونَ على قولِهِ: (إِلاَ اللَّهُ) وهُوَ قولُ جماعةٍ منَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وبِناءً عليْهِ يكونُ المرادُ بالتَّأويلِ في قولِهِ: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [1] . التَّفْسِيرَ الَّذي هوَ بيانُ المَعْنى.
وهذَا معلومٌ للرَّاسخينَ في العِلْمِ كمَا قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنْهُمَا:"أَنَا مَنَ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ". وقالَ مجاهدٌ:"عَرَضْتُ المُصْحَفَ على ابنِ عبَّاسٍ منْ فاتحتِهِ إلى خاتِمَتِهِ أَقِفُهُ عنْدَ كلِّ آيةٍ وأَسْأَلُهُ عنْ تَفْسِيرِهَا".
وبهذَا تَبَيَّنَ أنَّ الآيةَ لاَ تَدُلُّ على أنَّ في القرآنِ شيْئًا لا يَعْلَمُ معنَاهُ إلاَّ اللهَ تعالى، وإِنَّمَا تَدُلُّ على أنَّ في القُرْآنِ شيْئًا لا يَعْلَمُ حقيقتَهُ وكُنْهَهُ إلاَّ اللهَ، على قراءَةِ الوَقْفِ، وتَدُلُّ على أَنَّ الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ معنى المُتَشَابِهِ الَّذِي يَخْفَى على كثيرٍ منَ النَّاسِ على قراءَةِ الوَصْلِ، وعلى هذَا فلاَ تُعَارِضُ مَا ذكرنَاهُ منْ أنَّهُ ليسَ في القرآنِ شيْءٌ لاَ يُعْلَمُ مَعْنَاهُ.
فَصْلٌ
وأَمَّا كونُ مَا أَخْبَرَنَا اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ مجهولًا لنَا منْ جهةِ الكيْفيَّةِ فثابتٌ بدَلالةِ السَّمْعِ، والعَقْلِ.
فأمَّا دَلالةُ السَّمْعِ فمنْ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قولُهُ تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [2] . فإنَّ نفْيَ الإِحَاطَةِ باللهِ عِلْمًا، شاملٌ للإِحاطةِ بذاتِهِ، وصفاتِهِ، فلاَ يَعلَمُ حقيقةَ ذاتِهِ وكُنْهَهَا إلا هوَ سبحانَهُ وتعالى، وكذلكَ صفاتُه.
الثَّاني: أنَّ اللهَ أَخْبَرَنَا عنْ ذاتِهِ وصفاتِهِ، ولم يُخْبِرْنَا عنْ كيفيَّتِهَا، وعقولُنَا لاَ تُدْرِكُ ذلكَ، فتكونُ الكيفيَّةُ مجهولةً لنَا، لا يَحِلُّ لنَا أنْ نَتكلَّمَ فيهَا أوْ نُقَدِّرَهَا بأذْهانِنَا لقولِهِ تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [3] . وقولِهِ: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [4] .
وأمَّا دَلالةُ العقلِ على ذلكَ: فلأنَّ الشَّيْءَ لاَ تُدْرَكُ كيفيَّتُهُ إلاَّ بمشاهدتِهِ، أو بمشاهدةِ نظيرِهِ المساوِي لهُ، أوِ الخبرِ الصَّادِقِ عنْهُ، وكلُّ هذهِ الطُّرقِ منْتفيَةٌ في كيفيَّةِ ذاتِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ، فتكونُ كيفيَّةُ ذاتِ اللهِ وصفاتِهِ مجهولةً لنَا.
وَأَيْضًا فإنَّنَا نقولُ: مَا هَي الكيْفيَّةُ الَّتِي تُقَدِّرُهَا لذاتِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ؟ إنَّ أيَّ كيفيَّةٍ تُقَدِّرُهَا في ذهْنِكَ، أَوْ تَنْطِقُ بهَا بلسانِكَ فاللهُ أَعْظَمُ وأجَلُّ منْ ذلكَ، وإنَّ أيَّ كَيْفيَّةٍ تُقَدِّرُهَا في ذِهْنِكَ، أَوْ تَنْطِقُ بِهَا بِلسَانِكَ فستكونُ كاذبًا فِيهَا، لِأَنَّهُ ليْسَ لَكَ دَلِيلٌ عَليْهَا.
(1) سورة آل عمران، الآية: 7.
(2) سورة طه، الآية: 110.
(3) سورة الإِسراءِ، الآية: 36.
(4) سورة الأعرافِ، الآية: 33.