الصفحة 41 من 80

تَتِمَّةٌ

بِهذَا التَّقريرِ الَّذِي تَبَيَّنَ بهِ أنَّهُ لاَ يمكنُ أنْ يكونَ في القرآنِ شيءٌ لاَ يعلَمُ معْنَاهُ إلاَّ اللهُ يتبيَّنُ بُطْلاَنُ مذْهبِ المفوِّضَةِ الَّذينَ يُفوِّضُونَ عِلْمَ معاني آياتِ الصِّفاتِ ويَدَّعُونَ أنَّ هذَا هوَ مذْهَبُ السَّلَفِ وقدْ ضَلُّوا فيمَا ذهبُوا إليهِ، وكَذَبُوا فيمَا نَسبُوهُ إلى السَّلَفِ، فإنَّ السَّلَفَ إِنَّمَا يُفَوِّضُونَ عِلْمَ الكيْفيَّةِ دونَ علْمِ المعْنى، وقدْ تَواتَرت النُّقُولُ عنْهُمْ بإثباتِ معانِي هذِهِ النُّصُوصِ إجمالًا أحيانًا، وتفصيلًا أحيانًا، فمِنَ الإِجْمالِ قولُهُمْ:"أَمِرُّوهَا كمَا جَاءَتْ بِلاَ كَيْفٍ"ومن التَّفْصِيلِ ما سَبَقَ عنْ مالكٍ في الاسْتِوَاءِ.

قالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ في كتابِهِ"دَرْءُ تَعارُضِ العقلِ والنَّقْلِ"المعروفِ باسمِ"العقلُ والنَّقْلُ"1/ 16 المطبوعِ على هامشِ مِنهاجِ السُّنَّةِ 1/ 201 تحقيقُ رشاد سالم"وأمَّا التَّفْوِيضَ فمِن المعلومِ أنَّ اللهَ أَمَرنَا بتدبُّرِ القرآنِ، وحَضَّنَا على عَقْلِهِ وفَهْمِهِ، فكيفَ يَجوزُ معَ ذلكَ أنْ يُرادَ منَّا الإِعراضُ عنْ فهمِهِ ومعرفتِهِ وعَقْلِهِ". إلى أنْ قالَ:"فعلى قولِ هؤلاءِ يكونُ الأنبياءُ والمرسلونَ لاَ يَعلَمُونَ معاني مَا أَنزَلَ اللهُ عليهمْ منْ هذِهِ النُّصُوصِ، ولاَ الملائكةُ، ولا السابقُونَ الأَوَّلُونَ، وحينئذٍ فيكونُ ما وَصَفَ اللهُ بهِ نفسَهَ في القرآنِ، أو كثيرٌ مما وَصَفَ اللهُ بهِ نفسَهُ لاَ يَعلَمُ الأنبياءُ معناهُ، بلْ يقولونَ كلامًا لاَ يَعقِلونَ معنَاهُ". قالَ:"ومعلومٌ أنَّ هذَا قدْحٌ في القرآنِ، والأنبياءِ إذْ كانَ اللهُ أنزلَ القرآنَ وأَخْبرَ أنَّهُ جعَلَهُ هُدىً وبيانًا للنَّاسِ، وأَمَرَ الرَّسولَ أنْ يُبلِّغَ البلاغَ المُبينَ، وأنْ يُبيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليْهِمْ، وأمَرَ بتدبُّرِ القرآنِ وعَقْلِهِ، ومعَ هذَا فأَشْرَفُ مَا فيهِ وهوَ مَا أخْبَرَ بهِ الرَّبُّ عنْ صِفاتِهِ، أوْ عَنْ كونِهِ خالقًا لكلِّ شيءٍ وهوَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ، أوْ عنْ كوْنِهِ أَمَرَ، وَنَهَى، ووَعَدَ، وَتَوَعَّدَ، أو عما أَخبرَ بهِ عنِ اليومِ الآخِرِ لا يَعلَمُ أحدٌ معناهُ فلاَ يُعْقَلُ، ولاَ يُتَدَبَّرُ، ولاَ يكونُ الرَّسولُ بَيَّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهِمْ، ولاَ بلَّغَ البلاغَ الْمُبينَ، وعلى هذَا التَّقديرِ فيَقولُ كلُّ ملْحِدٍ ومُبْتَدِعٍ: الحقُّ في نفْسِ الأمْرِ ما عَلِمْتُهُ بِرَأْيِي وعَقْلِي، وليْسَ في النُّصُوصِ ما يُناقِضُ ذلك، لأنَّ تلك النصوصَ مشكِلةٌ متشابِهةٌ، ولاَ يَعلمُ أحدٌ معناهَا وما لاَ يَعلَمُ أحدٌ معناهُ لاَ يَجوزُ أنْ يُسْتَدَلَّ بهِ، فيَبقى هذا الكلامُ سدًّا لبابِ الهُدى والبيانِ من جهةِ الأنبياءِ، وفَتْحًا لبابِ من يُعارضُهم ويَقولُ إنَّ الْهُدى والبيانَ في طريقِنا لا في طريقِ الأنبياءِ، لأنَّا نحن نَعلَمُ ما نقولُ ونُبيِّنُه بالأدلَّةِ العقليَّةِ، والأنبياءُ لم يَعْلَموا ما يقولون فضْلًا عنْ أنْ يُبيِّنُوا مُرادَهُمْ، فتَبيَّنَ أنَّ قولَ أهلِ التَّفويضِ الَّذِينَ يَزْعمُونَ أنَّهُمْ متَّبِعُونَ للسُّنَّةِ والسَّلَفِ منْ شرِّ أقْوالِ أهلِ البِدَعِ والإِلحادِ". ا هـ كلامُهُ رحِمَهُ اللهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت