فهرس الكتاب
فَصْلٌ
في التَّأْويلِ
التَّأويلُ لغةً: ترجيعُ الشَّيْءِ إلى الغايةِ المرادةِ منهُ، منَ الأَوْلِ وهوَ الرجوعُ.
وفي الاصطِلاَحِ: ردُّ الكلامِ إلى الغايةِ المرادةِ منهُ، بشَرْحِ معنَاهُ، أوْ حُصولِ مُقتضَاهُ ويُطلَقُ على ثلاثةِ معانٍ:
الأوَّلُ:"التَّفسيرُ"وهوَ توضيحُ الكلامِ بذكْرِ معناهُ المرادِ بهِ ومنْهُ قولُهُ تعالى عنْ صاحِبَي السِّجْنِ يُخاطِبَانِ يوسُفَ: (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) [1] . وقولُ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنْهُمَا:"اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأويلَ". وسَبَقَ قولُ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا:"أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ الَّذِينَ يعْلَمُونَ تأْوِيلَهُ". ومنْهُ قولُ ابنِ جريرٍ وغيرِهِ منَ المفسِّرِينَ"تأويلُ قولِهِ تعالى"أيْ تفسيرُهُ.
والتَّأويلُ بهذَا المعنى معلومٌ لأهلِ العلْمِ.
المعْنى الثَّاني: مآلُ الكلامِ إلى حقيقتِهِ، فإنْ كانَ خبرًا فتأويلُهُ نفسُ حقيقةِ المُخبَرِ عنهُ وذلكَ في حقَّ اللهِ كُنْهُ ذاتِهِ وصفاتِهِ الَّتي لا يَعْلَمُهَا غيرُهُ وإنْ كانَ طَلَبًا فتأويلُهُ امتثالُ المطلوبِ.
مثالُ الخَبَرِ: قولُهُ تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَ تَأْوِيلَهُ) [2] . أيْ مَا يَنتظرُ هؤلاءِ المكذِّبُونَ إلاَّ وُقوعَ حقيقةِ ما أُخْبِرُوا بهِ منَ البَعْثِ والجزَاءِ، ومنْهُ قولُهُ تعالى عنْ يوسفَ: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) [3] .
ومثالُ الطَّلَبِ: قولُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنْهَا"كَانَ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُكْثِرُ أَنْ يقُولَ في ركوعِهِ وسجودِهِ: سبْحَانَكَ اللهُمَّ ربَّنَا وبحمدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي يَتَأَوَّلُ القرآنَ أيْ يَمْتَثِلُ ما أَمَرَهُ اللهُ بهِ في قولِهِ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [4] ."
وتَقولُ فلانًا لاَ يَتعاملُ بالرِّبَا يَتَأَوَّلُ قولَ اللهِ تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [5] .
والتَّأويلُ بهذَا المعْنى مجهولٌ حتَّى يَقعَ فَيُدْرَكَ وَاقِعًا.
فأمَّا قولُهُ تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [6] . فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المرادُ بالتأويلِ فيهَا التَّفسيرَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ مآلَ الكلامِ إلى حقيقتِهِ بِناءً على الوقْفِ فيهَا والوصْلِ. فعلى قراءةِ الوقْفِ عنْدَ قولِهِ: (إِلاَ اللَّهُ) . يَتعيُّنُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ مآلَ الكلامِ إلى حقيقتِهِ، لأنَّ حقائقَ ما أَخبَرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ وعنِ اليومِ الآخِرِ لا
(1) سورة يوسف، الآية: 36.
(2) سورة الأعراف، الآية: 53.
(3) سورة يوسف، الآية: 100.
(4) سورة النصر، الآيات: 1 - 3.
(5) سورة البقرة، الآية: 275.
(6) سورة آل عمران، الآية: 7.