فهرس الكتاب
يَعلَمُهَا إلا اللهُ عزَّ وجَلَّ، وعلى قراءةِ الوَصْلِ يَتعيَّنُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ التَّفسيرَ، لأنَّ تفسيرَهُ معلومٌ للراسِخِينَ في العلْمِ فَلا يَخْتَصُّ عِلْمُهُ باللهِ تعالى.
فنحنُ نَعلَمُ معنى الاسْتواءِ أنَّهُ العُلُوُّ والاسْتقْرَارُ، وهذَا هوَ التَّأْوِيلُ المعلومُ لنَا، لكنَّنَا نَجهَلُ كيفيَّتَهُ وحقيقَتَهُ الَّتِي هوَ علَيْهَا وهذَا هوَ التَّأْويلُ المجهولُ لنَا. وكذلكَ نَعلَمُ معانيَ مَا أخبَرنَا اللهُ بهِ منْ أسمائِهِ وصفاتِهِ، ونُمَيِّزُ الفَرْقَ بينَ هذِهِ المعانِي فنَعلَمُ معنى الحياةِ، والعِلْمِ، والقدرةِ، والسَّمْعِ، والبصرِ ونحوِ ذلكَ ونعلَمُ أنَّ الحياةَ ليستْ هيَ العلمَ، وأنَّ العلْمَ ليسَ هوَ القدرةَ وأنَّ القدرةَ ليستْ هيَ السَّمْعَ، وأنَّ السَّمْعَ ليسَ هُوَ البصرَ، وهكَذَا بقِيَّةُ الصِّفاتِ والأسماءِ، لكنَّنَا نَجْهَلُ حقائِقَ هذهِ المعانِي وكُنْهَهَا الَّذي هيَ عليْهِ بالنِّسْبَةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.
وهذانِ المعنيانِ للتَّأويلِ هُمَا المَعْنَيَانِ المعروفَانِ في الكتابِ، والسُّنَّةِ وكلامِ السَّلَفِ.
المعْنى الثّالِثُ لِلتَّأْوِيلِ: صَرْفُ اللَّفْظِ عن المعنى الرَّاجِحِ إلى المعْنى المرجوحِ لدليلٍ يَقْتضِيهِ. وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: صَرْفُ اللَّفْظِ عنْ ظاهِرِهِ إلى معنًى يُخالِفُ الظَّاهِرَ لدليلٍ يَقتضِيهِ. وهذَا اصْطِلاحُ كثيرٍ منَ المُتَأَخِّرينَ الَّذينَ تَكلَّمُوا في الفِقْهِ وأُصُولِهِ وهوَ الَّذِي عنَاهُ أَكْثَرُ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ المتأخِّرينَ في تأويلِ نصوصِ الصِّفاتِ وهلْ هوَ محمودٌ، أوْ مذمومٌ، وهلْ هوَ حقٌّ، أوْ باطلٌ؟
والتَّحْقِيقُ: اَنَّهُ إنْ دلَّ عليهِ دليلٌ صحيحٌ فهوَ حقٌّ محمودٌ يُعْمَلُ بِهِ ويكونُ منَ المعنى الأَوَّلِ للتَّأْوِيلِ هوَ التَّفْسِيرُ، لأنَّ تفسيرَ الكلامِ تأويلُه إلى ما أرادَهُ المتكلِّمُ بِهِ سواءٌ كانَ على ظاهِرِهِ أمْ على خلافِ ظاهرِهِ ما دُمْنَا نَعْلَمُ أنَّهُ مُرَادُ المُتَكَلِّمِ.
مثالُ ذلكَ قولُهُ تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) [1] . فإنَّ اللهَ تعالى يُخَوِّفُ عِبادَهُ بإتيانِ أَمْرِهِ المسْتَقْبَلِ، وليسَ يُخبِرُهُمْ بأَمْرٍ أتى وانقضى بدليلِ قولِهِ: (فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) . ومنْهُ قولُهُ تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [2] . فإنَّ ظاهرَ اللَّفْظِ إذَا فَرَغْتَ مِنَ القراءَةِ والمرادُ إذا أردْتَ أنْ تَقْرَأَ، لأنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانَ يَستعيذُ إذَا أرَادَ أنْ يَقرأَ لاَ إذَا فَرَغَ منَ القراءةِ.
وإنْ لمْ يَدُلَّ عليهِ دليلٌ صحيحٌ كانَ باطلًا مذْمُومًا، وجديرًا بأنْ يُسمَّى تحْريفًا لاَ تأويلًا.
مثالُ ذلكَ قولُهُ تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [3] . فإنَّ ظاهرَهُ أنَّ اللهَ تعالى علاَ على العرشِ عُلُوًّا خَاصًّا يَلِيقُ باللهِ عزَّ وجلَّ وهذَا هوَ المرادُ فتأويلُهُ إلى أنَّ معناهُ اسْتَولى ومَلَكَ، تأويلٌ باطلٌ مذمومٌ، وتحريفٌ للكَلِمِ عنْ مواضِعِهِ لأنَّهُ ليْسَ عليهِ دليلٌ صحيحٌ.
فَصْلٌ
اعلَمْ أنَّ اللهَ تعالى وَصَفَ القرآنَ بأنَّهُ مُحْكَمٌ، وبأنَّهُ مُتشابِهٌ، وبأنَّ بعضَهُ محكَمٌ وبعضَهُ متشابِهٌ.
فالأوَّلُ كقولِهِ تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) [4] .
(1) سورة النحل، الآية: 1.
(2) سورة النحل، الآية: 98.
(3) سورة طه، الآية: 5.
(4) سورة يونس، الآية: 1.