فهرس الكتاب
وأمَّا أهلُ الضَّلالِ والزَّيْغِ فاتَّبَعُوا المتشابِهَ وجَعَلوهُ مَثارًا للشَّكِّ والتَّشْكِيكِ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا وتوهَّمُوا بهذا المُتشابِهِ مَا لاَ يَلِيقُ باللهِ عزَّ وجلَّ ولاَ بكتابِهِ ولاَ برسولِهِ.
مثالُ الأوَّلِ [1] : قولُهُ تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) [2] . وقولُهُ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [3] . ونحوِهِمَا مما أَضافَ اللهُ فيهِ الشَّيْءَ إلى نفسِهِ بصفةِ الجَمْعِ، فاتَّبَعَ النَّصْرَانيُّ هذَا المتشابِهَ وادَّعى تَعدُّدَ الآلِهَةِ وقالَ: إنَّ اللهَ ثالِثُ ثلاثةٍ، وتَرَكَ الْمُحْكَمَ الدَّالَّ على أنَّ اللهَ واحدٌ.
وأمَّا الرّاسِخُونَ في العِلْمِ: فيَحملونَ الجَمْعَ على التَّعْظِيمِ لتعدُّدِ صفاتِ اللهِ وعِظَمِهَا، يَرُدُّونَ هذَا المتشابِهَ إلى الْمُحْكَمِ في قولِهِ تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ) [4] . ويقولونَ للنَّصْرَانِيَّ: إنَّ الدَّعْوى التَّي ادَّعَيْتَ - بمَا وَقَعَ لكَ منَ الاشْتِبَاهِ - قدْ كَفَّرَكَ اللهُ بهَا وكذلكَ فيهَا فاسْتَمِعْ إلى قولِهِ تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [5] . أيْ كَفَرُوا بِقَوْلِهِمْ إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ.
ومثالُ الثَّاني [6] : قولُهُ تعالى لِنَبِيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [7] . وقولُه: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [8] . فَفِي الآيتيْنِ مُوهِمُ تَعَارُضٍ فيَتَّبِعُهُ منْ في قلْبِهِ زَيْغٌ ويَظُنُّ بَيْنَهُمَا تَناقُضًا وهُوَ النَّفْيُ في الأُولى، والإِثباتُ في الثَّانِيَةِ. فيقولُ: في القرآنِ تَناقُضٌ.
وأمَّا الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ فيقولونَ: لا تَناقُضَ في الآيتيْنِ فالمرادُ بالهدايةِ في الآيةِ الأُولى هدايةُ التَّوْفِيقِ، وهذِهِ لا يَمْلِكُهَا إلاّ اللهُ وحدَهُ فلاَ يَملِكُهَا الرَّسُولُ ولاَ غيرُهُ. والمرادُ بهَا في الآيةِ الثَّانيةِ هدايةُ الدَّلالةِ وهذِهِ تكونُ منَ اللهِ تعالى، ومنْ غيْرِهِ فتكونُ منَ الرُّسُلِ وَوَرَثَتِهِمْ منَ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ.
ومثالُ الثَّالثِ [9] : قولُهُ تعالى لنبيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [10] . فَفِي الآيةِ مَا يُوهِمُ وُقوعَ الشَّكِّ مِنَ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ
(1) تهم ما لا يليق بالله عز وجل.
(2) سورة يس، الآية: 12.
(3) سورة الحجر، الآية: 9.
(4) سورة البقرة، الآية: 163.
(5) سورة المائدة، الآية: 73.
(6) توهم ما لا يليق بالقرآن.
(7) سرة القصص، الآية: 56.
(8) سورة الشورى، الآية: 52.
(9) توهم ما لا يليق برسول الله، صلى الله عليه وسلم.
(10) سورة يونس، الآية: 94.