الصفحة 46 من 80

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ممَّا أُنْزِلَ إليهِ فيَتَّبِعُهُ من في قلبِهِ زَيْغٌ فيَدَّعِي أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَعَ منْهُ ذلكَ فيَطْعَنُ في رسولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأمَّا الرَّسِخُونَ في العِلْمِ فيقولَونَ: أنَّ النَّبيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لمْ يَقَعَ منْهُ شكٌّ ولا امْتراءٌ فيمَا أُنْزِلَ إليْهِ، كيْفَ وقدْ شَهِدَ اللهُ لَهُ بالإيمانِ في قولهِ تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [1] . وقولِهِ: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [2] .

ويقولونَ: إنَّ مثلَ هذَا التَّعبيرِ - (فإن كنتَ في شكٍ) - لا يَلْزَمُ منهُ وُقوعُ الشَّرْطِ بلْ ولاَ إمكانُهِ كقولِهِ تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) [3] . فإنَّ وجودَ الولدِ للهِ عزَّ وجَلَّ مُمتنِعٌ غايةَ الامتِناعِ كمَا وقالَ تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) [4] [5] فكذلكَ الشَّكُّ والامْتِراءُ منْ رسولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيمَا أُنْزِلَ إليْهِ ممتنِعٌ غايةَ الامتِناعِ ولكنْ جاءَت العِبارَةُ بهذِهِ الصِّيغَةِ الشَّرْطيَّةِ لتأكيدِ امتناعِ الشَّكِّ والامْتِراءِ منْ رسولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيمَا أُنْزِلَ إليْهِ منَ اللهِ عزَّ وجَلَّ.

فإنْ قُلْتَ: مَا الحِكْمَةُ منْ كَوْنِ بعضِ القرآنِ متشَابِهًا؟

فالجوابُ: أنَّ الحكمةَ منْ ذلكَ ابتلاءُ العِبادِ واختبارُهُم ليَتبيَّنَ الصَّادِقُ في إيمانِهِ الرَّاسِخُ في عَمَلِهِ الَّذي يُؤْمِنُ باللهِ وكلماتِهِ، ويَعلَمُ أنَّ كلامَ اللهِ عزَّ وجَلَّ ليسَ فيهِ تناقضٌ، ولا اخْتِلافٌ، فَيَرُدُّ مَا تَشابَهَ منْهُ إلى مَا كَانَ مُحْكَمًا، ليَصيرَ كلُّه مُحكَمًا مِنَ الشَّاكِّ الجاهِلِ الزَّائِغِ الَّذي يَتَّبِعُ مَا تَشابَهَ منْهُ، ليَضرِبَ كتابَ اللهِ تعالى بعضَهُ ببعْضٍ، فيَضِلَّ، وَيُضِلَّ، ويكونَ إمامًا في الضَّلالِ والشَّقَاءِ فَيَفْتِنَ النَّاسَ في دِينِهِمْ، ويُوقِعَهُمْ في الشَّكِّ والْحَيْرَةِ، ويَفْتِنَ بعضَهُمْ بِبَعْضٍ (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [6]

تَتِمَّةٌ

التَّشابُهُ الواقعُ في القرآنِ نوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ وَنِسْبِيٌّ:

فالْحَقِيقِيُّ: مَا لاَ يعْلَمُهُ إلاَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ مثْلُ: حقيقةُ مَا أخْبَرَ اللهُ بهِ عنْ نفسِهِ، وعنِ اليَوْمِ الآخِرِ فإنَّا -"وإنْ كُنَّا نَعْلَمُ معانِيَ تلكَ الأَخْبَارِ"- لاَ نعْلَمُ حقَائِقَهَا وكُنْهَهَا كمَا قالَ اللهُ تعالى عنْ نفسِهِ: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ

(1) سورة البقرة، الآية: 285.

(2) سورة الأعراف، الآية: 158.

(3) سورة الزخرف، الآية: 81.

(4) في معنى هذه الآية أقوال. أظهرها أنه إن كان للرحمن ولد - على سبيل الفرض الممتنع - فإن ذلك لن يحملني على عبادة ذلك الولد بل سأكون أول العابدين لله ولن أعبد الولد وذلك لأن المعبود لم يذكر فيها فنصرف المعنى إلى من لا تصح العبادة إلا له وهو الله تعالى.

(5) سورة مريم، الآية: 92.

(6) سورة آل عمران، الآية: 7: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت