الصفحة 47 من 80

عِلْمًا) [1] . وقالَ: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [2] . وقالَ عمَّا في اليومِ الآخِرِ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [3] . وَفي الحَديثِ القُدُسِيِّ الثَّابِتِ في الصَّحِحَيْنِ عنِ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ اللهَ قالَ:"أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ".

فَمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عنْ نفسِهِ، وعنِ اليَوْمِ الآخِرِ فيهِ ألفَاظٌ متشابِهةٌ تُشْبِهُ معانِيها مَا نَعْلَمُهُ في الدُّنْيَا، كمَا أخْبَرَ عن نفسِهِ أنَّهُ حَيٌّ، عليمٌ، قديرٌ، سميعٌ، بصيرٌ، ونحوُ ذلكَ، ونحنُ نَعلَمُ أنَّ مَا دلَّتْ عليْهِ هذهِ الأسماءُ مِنَ الصِّفاتِ ليسَ مماثِلًا في الحقيقةِ لمَا للمَخْلُوقِ منْها، فحقيقتُهَا لاَ يَعْلَمُ معنَاهَا إلاَّ اللهُ. كمَا نَعْلَمُ أنَّ في الجَنَّةِ لَحمًا، وَلَبَنًا، وعَسَلًا، وماءً، وخَمْرًا، ونحوَ ذلكَ، ولكنْ ليْسَ حقيقةُ ذلكَ منْ جنْسِ مَا في الدُّنْيَا، وحينئذٍ لاَ يَعلَمُ حقيقَتَها إلاَّ اللهُ تعالى.

والإِخْبارُ عنِ الغَائِبِ لا يُفْهَمُ إنْ لمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ بالأسماءِ المعلومةِ معانِيَهَا في الشَّاهِدِ، ويُعْلَمُ بمَا في الغَائِبِ بواسطَةِ العِلْمِ بِمَا في الشَّاهِدِ، معَ العِلمِ بالفارِقِ المُمَيِّزِ، وأنَّ مَا أخبرَ اللهُ بهِ منَ الغَيْبِ أَعظمُ ممَّا يُعْلَمُ في الشَّاهِدِ.

وهذَا النَّوْعُ الَّذِي لا يَعلَمُهُ إلاّ اللهُ لاَ يُسْأَلُ عنْهُ لِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إليْهِ.

وأَمَّا النِّسْبِيُّ: فَهُوَ مَا يكونُ مشْتَبِهًا على بعضِ النَّاسِ دونَ بعْضٍ، فيَعلَمُ منْهُ الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ والإيمانِ مَا يَخْفى على غيرِهِمْ، إمَّا لنقْصٍ في عِلمِهِمْ أو"ْ تقْصيرٍ في طلَبِهِمْ، أَوْ قُصُورٍ في فَهْمِهِمْ، أوْ سوءٍ في قَصْدِهِمْ."

وهذَا النَّوْعُ يُسْأَلُ عنْ بيانِهِ، لأنَّهُ يُمْكِنُ الوصولُ إليْهِ إذْ ليسَ في القرآنِ شيْءٌ لا يَتبيَّنُ معنَاهُ لأحدٍ منَ النَّاسِ كيْفَ وقدْ قالَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [4] . وقالَ: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) [5] . وقالَ (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [6] . وقالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) [7] . وقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [8] .

لهَذَا النَّوْعِ أمثلةٌ كثيرةٌ في المسائِلِ العِلْمِيَّةِ الخَبَريَّةِ، والمسائلِ العمليَّةِ الحُكْمِيَّةِ وغالِبُ المسائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ النَّاسُ فيهَا أوْ كلُّهَا منْ هذَا النَّوْعِ.

فمنْ أمثلةِ ذلكَ في المسائِلِ العِلْمِيَّةِ الخَبَريَّةِ: قولُهُ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [9] . حيثُ اشْتَبَهَ على النُّفَاةِ أهلِ التَّعطِيلِ ففَهِمُوا منْهُ انْتِفَاءَ الصِّفَاتِ عنِ اللهِ تعالى، ظَنًّا منْهُمْ أنَّ إثْبَاتَهَا يَستلزِمُ مماثَلةَ اللهِ تعالى لِلْمَخْلوقينَ فنَفَوْا عنِ اللهِ تعالى ما وَصَفَ

(1) سورة طه، الآية: 110.

(2) سورة الأنعام، الآية: 103.

(3) سورة السجدة، الآية 17.

(4) سورة النحل، الآية: 89.

(5) سورة آل عمران، الآية: 138.

(6) سورة القيامة، الآيتان: 18 - 19.

(7) سورة النساء، الآية: 174

(8) سورة البقرة، الآية: 185.

(9) الشورى، الآية: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت