الصفحة 48 من 80

بهِ نفسَهُ أوْ بعضَهُ، وأَعْرَضُوا عنِ الأدلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، والعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ على ثبوتِ صفاتِ الكمالِ للهِ عزَّ وجَلَّ، وغَفَلُوا عنْ كوْنِ الاشْتِرَاكِ في أصْلِ المعْنى لا يَستلزِمُ المماثَلةَ في الحقيقةِ.

ثمَّ لوْ أَمْعَنوا في النَّظَرِ في هذَا المنْفِيِّ (لَيْسَ كمِثْلِهِ شيْءٌ) . لَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ يَدلُّ على ثُبوتِ الصِّفَاتِ لاَ على انتِفَائِهَا، لأنَّ نَفْيَ المماثَلةِ يَدلُّ على ثبوتِ أَصْلِ المَعْنى لكن لكمالِهِ تعالى لا يُماثِلُهُ شيْءٌ لا في ذاتِهِ، ولاَ في صِفَاتِهِ، ولولاَ ثَبوتُ أصلِ الصِّفَةِ لمْ يكُنْ لِنفْيِ المِثْلِ فائدةٌ.

ومنْ أمثلةِ ذلكَ في المسائِلِ العَمَلِيَّةِ الحُكْمِيَّةِ قولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتمُونِي أُصَلِّي". حيثُ اشْتَبَهَ على بعضِ النَّاسِ ففَهِمُوا منْهُ أنَّهُ شاملٌ للكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ وبنُوا على ذلكَ أنَّهُ لا تَجوزُ الزِّيادةُ في صلاةِ اللَّيْلِ على العَدَدِ الَّذِي كانَ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقومُ بهِ، فَلاَ يُزَادُ في التَّراوِيحِ في رَمَضَانَ على إحْدى عَشْرةَ، أوْ ثلاثَ عشْرَةَ ركْعَةً، ولكنْ منْ تَأَمَّلَ الحديثَ وَجَدَهُ دالاًّ على الكيْفيَّةِ فَقَطْ، دونَ الكَمِّيَّةِ إلا أنْ تكونَ الكَمِّيَّةُ في ضِمْنِ الكَيْفِيَّةِ كَعَدَدِ الصَّلاةِ الوَاحِدَةِ ويَدلُّ لذلكَ ما ثَبَتَ في صحيحِ البُخاريِّ وغيرِهِ مِنْ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ عَلى المِنْبَرِ: مَا ترى في صلاةِ اللَّيْلِ؟ قالَ:"مَثْنى مَثْنى فإذَا خُشِيَ الصُّبْحُ صَلَّى واحدةً فأَوْتَرَ لَهُ مَا صَلَّى". وفي روايةٍ أنَّ السَّائِلَ قالَ: كيفَ صلاةُ اللَّيْلِ؟ ولوْ كانَ عددُ قيامِ الَّليْلِ محصورًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لهذَا السَّائلِ ولهذَا كانَ الرَّاجِحُ أنْ يُقْتَصَرَ في قيامِ اللَّيْلِ على إحدى عَشْرَةَ أوْ ثلاثَ عشْرةَ وإنْ زادَ على ذلكَ فلاَ بَأْسَ.

وأمثلةُ ذلكَ كثيرةٌ، تُعْلَمُ منْ كُتُبِ الفِقْهِ المعنِيَّةِ بذِكْرِ الخلافِ والتَّرْجِيحِ بينَ الأَقْوالِ، واللهُ المُسْتَعَانُ.

القَاعِدَةُ السَّادِسَةُ

في ضابطِ مَا يَجُوزُ للهِ وَيَمْتَنِعُ عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا

صفاتُ اللهِ تعالى دائرةٌ بينَ النَّفْيِ والإِثْباتِ - كمَا سَبَقَ - فَلاَ بُدَّ مِنْ ضابطٍ لهذَا وذاكَ.

فالضَّابِطُ في النَّفْيِ أنْ يُنْفَى عنِ اللهِ تعالى:

أوَّلًا: كلُّ صفةِ عَيْبٍ كالعَمَى والصَّمَمِ والخَرَسِ والنَّوْمِ والمَوْتِ ونحوِ ذلكَ.

ثَانيًا: كلُّ نَقْصٍ في كمالِهِ كَنَقْصِ حياتِهِ أوْ عِلْمِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ عِزَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذلكَ.

ثَالِثًا: مماثَلتُهُ لِلْمَخْلُوقينَ كَأَنْ يُجْعلَ عِلْمُهُ كَعِلْمِ المخلوقِ أوْ وَجْهُهُ كوجْهِ المخْلُوقِ أَوْ اسْتِواؤُهُ على عَرْشِهِ كاسْتِوَاءِ المخلوقِ ونحوِ ذلكَ.

فمِنْ أدلَّةِ انْتِفَاءِ الأوَّلِ عنْهُ: قولُهُ تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [1] فإنَّ ثبوتَ الْمَثَلِ الأعلى لَهُ وهوَ الوَصْفُ الأعلى يَستلزِمُ انتفاءَ كلِّ صفةِ عَيْبٍ.

ومنْ أدلَّةِ انْتفاءِ الثَّانِي: قولُهُ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) [2] .

ومنْ أدلَّةِ انْتِفاءِ الثَّالِثِ: قولُهُ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [3] .

وبهذَا عُلِمَ أنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاعتمادُ في ضابطِ النَّفْيِ على مُجَرَّدِ نفيِ التَّشْبِيهِ وذلكَ لوجْهَيْنِ:

(1) سورة سورة النحل: 60.

(2) سورة ق: 38.

(3) سورة الشورى: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت